الانتخابات الفلسطينية بين استحقاق الدستور وفخ التأجيل المفتوح

 المحامي علي أبو حبله:

تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مرحلة حاسمة، فيما تتزايد التكهنات حول احتمال تأجيلها، بفعل التعقيدات المرتبطة بالقدس وقطاع غزة وموقف الاحتلال الإسرائيلي. غير أن القضية تتجاوز سؤال إجراء الانتخابات من عدمه؛ لأنها تمس جوهر الشرعية الدستورية ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني. حتى الآن، ما زالت العملية الانتخابية قائمة قانوناً، ولجنة الانتخابات المركزية تنفذ الجدول الزمني المعلن، فيما حدد المرسوم الرئاسي موعد الاقتراع ودعا الناخبين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى انتخابات حرة ومباشرة. قانونياً، من المهم التمييز بين التعطيل والتأجيل. الاحتلال قد يملك أدوات ميدانية لتعطيل الاقتراع أو منع إجرائه في مناطق معينة، لكنه ليس صاحب الاختصاص في تحديد موعد الانتخابات الفلسطينية. أما التأجيل الفلسطيني، فيجب أن يصدر عن الجهة صاحبة الصلاحية وبسند قانوني واضح، وألا يتحول إلى قرار سياسي مفتوح المدة. وتقدم تجربة عام 2021 سابقة مهمة؛ فقد صدر آنذاك مرسوم رئاسي صريح بتأجيل الانتخابات إلى حين توفر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس، مع تكليف لجنة الانتخابات بتنفيذ المرسوم. وهذا يؤكد أن لجنة الانتخابات جهة تنفيذية وفنية، وليست صاحبة القرار السياسي في تحديد مصير الاستحقاق. لكن الخطر الاستراتيجي يبدأ عندما يصبح التعطيل قاعدة للحكم وليس استثناءً تفرضه الضرورة. فإذا استطاع الاحتلال منع الانتخابات في القدس أو غزة، ثم أصبح هذا المنع سبباً دائماً لتأجيل الانتخابات، فإن الاحتلال يتحول عملياً من قوة احتلال إلى طرف قادر على التأثير في دورة الشرعية السياسية الفلسطينية. وهذه نتيجة شديدة الخطورة من منظور القانون والسيادة والإرادة الشعبية. الأصل أن تكون الانتخابات شاملة للقدس والضفة وغزة، وأن يكون أي عائق أمامها موضع معالجة سياسية وقانونية ودولية، لا مدخلاً تلقائياً لإلغاء الاستحقاق. فالانتخابات الجزئية تثير مشكلة التمثيل، لكن التأجيل المفتوح يثير مشكلة أعمق هي تعليق حق الشعب في اختيار ممثليه إلى أجل غير معلوم. ومن هنا فإن أي قرار بالتأجيل، إذا أصبح ضرورياً، ينبغي أن يكون معللاً، محدد المدة، مرتبطاً بمعايير موضوعية قابلة للتحقق، ومصحوباً بخطة واضحة لإزالة أسباب التعطيل، مع الحفاظ على الحق الانتخابي وعدم السماح بتحويل الاستثناء إلى قاعدة. أما ربط الانتخابات الفلسطينية بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، فهو خلط بين مسارين قانونيين مستقلين. صحيح أن الموقف الإسرائيلي قد يتأثر بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، لكن ذلك لا يمنح إسرائيل حق تقرير مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ولا ينبغي أن تصبح روزنامة الانتخابات الإسرائيلية مرجعاً للروزنامة الديمقراطية الفلسطينية. المعركة الحقيقية إذن ليست فقط حول 28 تشرين الثاني، وإنما حول قاعدة أكثر أهمية: هل يبقى القرار الانتخابي فلسطينياً، أم يصبح تعطيل الاحتلال أحد مفاتيح التحكم في تجديد الشرعية الفلسطينية؟ إن حماية الانتخابات لا تعني تجاهل الواقع الأمني والسياسي، لكنها تعني رفض تحويل العوائق إلى وضع دائم. فالشرعية الديمقراطية لا تُبنى بتأجيل الاستحقاقات، وإنما بإيجاد الوسائل القانونية والسياسية التي تضمن استمرارها، وتحول دون أن يصبح الاحتلال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، صاحب حق تعطيلها. المحامي علي أبو حبله

البوابة 24