حين تسقط الأوراق.. لا تموت

عائد زقوت:

لكلّ فصل لونه وجماله، ولكلّ فصل أهازيجه التي يترنم بها، وأنشودته التي يتسربل بزيّها الخاص، ويُغنّيها على طريقته؛ وها هو الخريف يَقدُم من جديد برائحة شتائه، واثق الخُطى، يمشي ملِكًا... في يده فرشاة من الأصفر الرنّان، يلوّن بها وجه الأرض، ويكسو الأشجار بألوان لم تعهدها في ربيعها وصيفها. فتساقط الأوراق قصيدة جميلة، شجيّة وَلْهى؛ تتناثر على الأرض، وتتمايل مع نسمات الريح، كأنها رسائل صغيرة من الشجر إلى الأرض تقول لها: خُذينا... فقد آنَ لنا أن نعود إليك. وربما كان الخريف أقرب الفصول إلى أنفسنا، لأنه يشبهنا أكثر مما نظن؛ يعلّمنا أنّ الأوراق حين تسقط لا تموت، بل تعود إلى الأرض لتصير جزءًا من حياتها؛ ويعلّمنا أنّ الرحيل ليس دائمًا نهاية، وأنّ بعض الجمال لا يظهر إلا في لحظة الوداع. امتنانُنا لك أيها الخريف، يا من تجيء كل عام بهدوء، وترسم لوحتك من تِبر وزيتون، وريح وطيور مهاجرة... تعيدنا إلى أيام الطفولة، فنحلم بالنوم كما كنا ننام قديمًا، دون خوف، على ترانيم الطيور وسَنا الزيتون، ودون أن نعرف أنّ تلك اللحظة ستصبح يومًا أغلى ما في العمر. تجيء ولا تطلب منا سوى أن نتأمل قليلًا؛ أن ننظر إلى ما يسقط من حياتنا بعين أخرى، وأن نفهم أنّ ما نودّعه اليوم قد يكون، بطريقة لا ندركها، بذرةً لما سيأتي غدًا. وحين نرفع أعيننا، نرى السماء وقد صفَتْ... وكأنّها طريقٌ مفتوح إلى عالمٍ لا نعرفه. ولعلّ أجمل ما في الخريف أنه لا يخشى أن تتعرّى الأشجار؛ يعرف أنّ العُري أحيانًا ليس فقدًا، بل استعدادٌ لبداية جديدة. لذلك، حين تَهبّ الريح وتحمل آخر الأوراق بعيدًا، لا أراها ترحل... بل أراها تعود إلى المكان الذي جاءت منه، لتدفن نفسها في صمت التراب، ثم تترك للربيع أن يحكي بقية الحكاية. فبتُّ أعرف أنّ بعض الأشياء لا تموت حين تغادرنا؛ إنها فقط تغيّر شكلها، وتختبئ قليلًا في الأرض، في انتظار موسمٍ آخر. ففي جانبٍ منا، تتساقط الأوراق، وفي جانبٍ آخر حديقةٌ ربيعية تنبعث من جديد؛ تنهض من خشوعها، فتربو وتزهو ببهجتها وألوانها. وهكذا يمضي الخريف... يُسقط ما آنَ له أن يسقط، ويحتفظ التراب بما نظنّه انتهى؛ ثم يأتي الليل بحكاية جديدة، ويأتي الربيع ذات يوم، فنكتشف أنّ الغياب كان يعمل في الخفاء. فليس كل سقوطٍ نهاية... فقد يكون السقوط أول الطريق إلى الحياة.

البوابة 24