القاهرة تفتح صندوق المصالحة والانتخابات الفلسطينية أمام مفترق طرق

 رامي الغف*:

لم تعد المصالحة الفلسطينية مجرد شعار يُرفع في بيانات الفصائل، ولا مجرد لقاء جديد بين فتح وحماس برعاية مصرية، بل يبدو أن الساحة الفلسطينية تقف أمام محاولة لإعادة ترتيب قواعد النظام السياسي برمته: من يحكم غزة؟ من يمثل الشعب الفلسطيني؟ من يملك السلاح؟ كيف تُعاد صياغة منظمة التحرير؟ ومتى يذهب الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع؟ وبحسب ما نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» اليوم، فإن وثيقة منسوبة إلى الرئيس محمود عباس تتضمن سبعة محددات لمسار المصالحة، بينها إنهاء مفرزات الانقسام في غزة، وتوحيد النظام السياسي والقانوني، وحصر السلاح الشرعي، والالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها، واعتماد المقاومة الشعبية السلمية، إلى جانب مسار سياسي يقوم على حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية. كما تتضمن تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى إدارة الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة. وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة الصعبة. المصالحة أم إعادة هندسة النظام السياسي؟ المطروح في القاهرة، وفق هذه المعطيات، يتجاوز فكرة «المصالحة» بمعناها التقليدي. فنحن أمام تصور يريد الانتقال من واقع الانقسام إلى نظام سياسي موحد، ومن تعدد مراكز القرار إلى مرجعية واحدة، ومن حكومتين وواقعين منفصلين إلى إدارة واحدة. لكن نجاح هذا التصور لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات الختامية، بل بمدى قدرة الأطراف على الإجابة عن الأسئلة الأكثر حساسية: السلاح، الأمن، منظمة التحرير، الحكومة، القرار السياسي، والانتخابات. وهذه الملفات تحديداً هي التي عطّلت اتفاقات سابقة أو أبقت تنفيذها ناقصاً.

أما حماس، فقد نقلت «الشرق الأوسط» عن مصدر قيادي فيها انفتاح الحركة على الحوار عندما ينطلق من المصالح الفلسطينية العامة ويهدف إلى شراكة حقيقية وتغيير الوضع القائم. وهذا يعني أن الباب لم يُغلق، لكنه لا يعني تلقائياً وجود اتفاق على جميع المحددات المطروحة. الانتخابات... لا تجعلوها رهينة للمصالحة هنا تكمن العقدة الأخطر. فالرئيس عباس أصدر في يوليو/تموز مرسوماً حدد 28 نوفمبر 2026 موعداً للانتخابات التشريعية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، فيما تؤكد لجنة الانتخابات المركزية أن العملية الانتخابية دخلت بالفعل مرحلة الترشح.

وبالتالي، فإن الحديث عن احتمال التأجيل لا ينبغي أن يتحول إلى أمر واقع سياسي قبل وجود قرار رسمي ومبررات معلنة وآلية واضحة. نعم، هناك تحديات حقيقية تتعلق بالقدس وغزة والواقع الميداني، وهي ملفات أشارت إليها تحليلات ومصادر فلسطينية باعتبارها من أبرز العقبات أمام إجراء الانتخابات في موعدها. لكن السؤال الذي يجب أن يبقى أمام الجميع هو: إذا تعذر إجراء الانتخابات في موعدها، فما البديل؟ ومتى الموعد الجديد؟ ومن يضمن ألا يتحول التأجيل المؤقت إلى تأجيل مفتوح؟ فالشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيد من تمديد المراحل الانتقالية، بل يحتاج إلى شرعية متجددة وصندوق اقتراع وطني حقيقي. القاهرة أمام اختبار فلسطيني كبير القاهرة ليست أمام مهمة جمع وفود فتح وحماس فقط. المطلوب، إذا صدقت المعطيات، أن تتحول اللقاءات إلى مسار فلسطيني أوسع يضم مختلف القوى والتيارات والشخصيات، بحيث لا تكون المصالحة مجرد اتفاق ثنائي يعاد إنتاجه بين طرفين، بينما تبقى بقية القوى الفلسطينية خارج صناعة القرار. فالمشهد الفلسطيني تغير كثيراً خلال السنوات الماضية، وظهرت اصطفافات وتحالفات واتصالات جديدة حول الانتخابات، بما في ذلك اتصالات بين قوى وشخصيات من اتجاهات سياسية مختلفة. وهذا يعني أن الخريطة السياسية الفلسطينية لم تعد هي الخريطة التي كانت عليها قبل سنوات. الشعب يريد شراكة... لا تقاسم نفوذ الاختبار الحقيقي أمام الفصائل ليس: من يحصل على وزارة؟ ومن يحصل على مقاعد؟ ومن يدخل الحكومة؟ ومن يترأس اللجنة؟ الاختبار الحقيقي هو: هل تستطيع القوى الفلسطينية أن تنتقل من عقلية تقاسم النفوذ إلى عقلية الشراكة الوطنية؟ الشراكة تعني أن تكون المؤسسات الفلسطينية ملكاً للشعب، وأن تكون الانتخابات وسيلة لاختيار ممثليه، وأن تكون منظمة التحرير إطاراً جامعاً يجري تطويره ديمقراطياً، وأن تكون الحكومة خادمة للمواطن لا ساحة جديدة للصراع الفصائلي. كما أن أي مسار انتخابي جاد يحتاج إلى ضمانات تتعلق بالنزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص وحرية الترشح والدعاية والاقتراع. رسالة النازحين يجب ألا تغيب عن القاهرة وفي قلب كل هذه الحسابات السياسية هناك شعب دفع الثمن الأكبر. غزة التي دُمّرت، والنازحون الذين فقدوا بيوتهم، والجرحى، والأسرى، وأسر الشهداء، والعمال والموظفون والطلاب، لا يمكن أن يكونوا مجرد عناوين في البيانات السياسية.

أي حكومة مقبلة، وأي مجلس تشريعي جديد، وأي قيادة فلسطينية، يجب أن تضع حماية المواطن وإعادة إعمار غزة وإنصاف المتضررين والنازحين في صدارة أولوياتها. فالسياسة التي لا ترى المواطن في الخيمة، ولا ترى الطفل الذي فقد بيته ومدرسته، ولا تسمع صوت الجريح، ستبقى بعيدة عن جوهر القضية الوطنية. القاهرة أمام فرصة... والفصائل أمام مسؤولية ما يجري الآن يمكن أن يكون بداية لمسار فلسطيني جديد، إذا تحولت اللقاءات من إدارة الأزمة إلى حل جذورها. ويمكن أيضاً أن يتحول إلى جولة أخرى من جولات الحوار إذا بقيت الملفات الكبرى معلقة، أو إذا تحولت الانتخابات إلى ورقة تفاوضية، أو إذا أصبحت المصالحة مجرد تفاهم بين قيادات بعيداً عن إرادة الشارع الفلسطيني. المطلوب ليس اتفاقاً جديداً يضاف إلى أرشيف الاتفاقات السابقة. المطلوب عقد سياسي فلسطيني جديد. عقد يقول بوضوح: لا للانقسام، لا للتفرد، لا للإقصاء، لا لتأجيل الديمقراطية بلا سقف زمني، ولا لتحويل الانتخابات إلى رهينة للتجاذبات السياسية. والرسالة الأهم للفصائل التي ستجلس في القاهرة: لا تتفاوضوا فقط على شكل السلطة... تفاوضوا على مستقبل الشعب. فلسطين بحاجة إلى قيادة تجمعها، ومؤسسات تستمد شرعيتها من شعبها، وانتخابات حقيقية، ومنظمة تحرير أكثر شمولاً وتمثيلاً، وحكومة تعمل من أجل المواطن، لا من أجل الفصيل. القاهرة قد تفتح الباب، لكن القرار الحقيقي يجب أن يعود إلى الشعب الفلسطيني.

*إعلامي وباحث في الشأن السياسي والدولي

البوابة 24