قراءة في رواية "قيامة البتول الأخيرة- الأناشيد السّرّيّة" للرّوائيّ زياد كمال حمامي

صباح بشير:

رواية "قيامة البتول الأخيرة- الأناشيد السّرّيّة" للرّوائيّ السّوريّ زياد كمال حمامي، الصّادرة عن دار نون للنّشر في طبعتها الأولى عام (2018)، وتقع في ثلاثمئة وعشرين صفحة، وهي عمل أدبيّ دراميّ، يتناول مأساة الحرب والأحداث الدّامية في مدينة حلب، تحديدًا في حيّ "البندرة" وهي حارة اليهود القديمة الّتي تقطنها مجموعات من شتّى الطّوائف والمذاهب والأديان. سأتناول في هذه القراءة النّقديّة الرّصد والتّحليل لمفاصل العمل؛ بدءًا من تفكيك عتبة العنوان، مرورًا بقراءة البناء النّفسيّ للشّخصيّات وصراعها الوجوديّ بين السّرياليّة والواقع، وتفكيك النّصّ لروافده الدّيمغرافيّة المتنوّعة. سأفرد مساحةً لتتبُّع التّقنيات السّرديّة بالتّركيز على بُعدَيها الفنّيّ والرّمزيّ، مع الوقوف عند تجلّيات التّحالف العابر للأديان، وأستقرئ الخصائص الأسلوبيّة والبنائيّة وآليّات الانتقال السّينمائيّ بين المشاهد، وصولاً إلى التّناصّ الأسطوريّ لمأساة الضّحيّة، وسأقدّم أبرز الملاحظات الّتي سجّلتها.

قراءة في المأساة والوجود: تبدأ الصّفحات (ص8) باعتراف يؤكّد فيه الكاتب أنّ الواقع أشدّ وطأة وأغرب من الخيال، داعيًا إلى خوض غمار الأسرار المسكوت عنها، المحاكة في الأقبية السّرّيّة والحارات القديمة؛ وذلك لكسر الخوف والخجل وتجاوز التّخلّف والاستبداد. تتمحور الحبكة الرّئيسيّة حول الفتاة الشّابة "البتول" الّتي تمّ اغتصابها بقسوة. (ص12) "تخفي عُريها المدنَّس ودماءها المتخثّرة، وتلك الكدمات الموشومة على وجهها المصدوم، وآثار الشّذوذ الجنسيّ الوحشيّ الّذي تعرّضت له، بعد أن تمّ اغتصابها بوحشيّة همجيّة". البتول هي البطلة التّراجيديّة والمحرّك الرّئيسيّ والرّمزيّ للحدث، تتحوّل قصّتها إلى أسطورة ورمز للضّحيّة في ظلّ الحرب. أمّا عبد السّلام فهو البطل التّنفيذيّ للأحداث، هو الشّاب النّحّات الّذي تتجمّع عنده الأسرار، يعيش صراعًا بين الفنّ والجمال ومشاعر الانتقام، يتعاقب في مخيّلته شريط يضمّ نماذج إنسانيّة ومجتمعيّة متعدّدة من أهل حارته ونسيجها المتنوّع. يستحضر في مستهلّ العمل الحاج عبد القادر الهلاليّ الّذي انسلخ عن ماضيه القوميّ والوحدويّ، وابنه يحيى الّذي تعهّد بالثّأر للبتول، وعائلة أبراهام فارحي اليهوديّ حارس معبد الصّفراء، وابنته ليزا الّتي تربطها علاقة حبّ طفوليّة معه، إلى جانب العمّ أبي الرّمز الفلسطينيّ، أستاذ مادّة التّاريخ والمؤتمن على الأرشيف والمفتاح، والعَرّافة "خاتون" الّتي يرهبها الجميع عدا زوجات الأثرياء والنّخبة المتنفّذة، كما يستذكر الشّقيقتَين الغريبتَين "الثّريّا وهنّوده"، والخيّاط الأرمنيّ "قهوجيان" وابنته إلين. على الرّغم من هذا التّداعي لشخصيّات الحارة، يجد عبد السّلام نفسه، وهو النحّات والرّسام السّرياليّ المحمّل بالضّياع والاضطراب النّفسيّ، عاجزًا عن صرف ذهنه عن المأساة الّتي تجثم على صدره، فتتحوَّل هذه الفاجعة إلى مرآة تواجهه بتمزّقه الدّاخلي وبطالته ووجعه؛ ليقف أمام حقيقة أنّه إنسان محطَّم، يتساءل بمرارة عمّا إذا كان حيًّا بالفعل، أم أنّه بحاجة إلى ولادة جديدة تخرجه من ركام هذا الضّياع. " يشعر أنّ الإنهاك في التّفكير يحطِّمه، بل بأنّه ينهار منذ وقت طويل، يسأل نفسه: من الّذي جعلني شابّا تائهًا، متسكّعًا، عاطلاً؟"(ص15). يناقش هذا السّؤال المرير حرقة جيلٍ كاملٍ من الشّباب العربيّ، الّذي يغرق في تيه البطالة القسريّة والضّياع جرّاء أزماتٍ بنيويّةٍ طاحنة، وهزّاتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ متتالية، تعصف بالبلاد العربيّة بعد أن تحوَّل الشّباب فيها إلى ضحيّةٍ لواقعٍ مأزوم، تُغلَق فيه منافذ الأمل وتهدر فيه الطّاقات العلميّة والإبداعيّة. هو تساؤل يدين الظّروف الّتي تجعلهم ينكفئون على ذواتهم في حالة من التمزّق النّفسيّ وفقدان المعنى، بعد أن سُلبَت قدرتهم على الإنتاج والمشاركة الفاعلة في مجتمعاتهم، وحقّ الشّعور بالحياة والكرامة؛ ليغدو التّيه حالة من الاغتراب الرّوحيّ والوجوديّ، تدفعهم إلى الاستسلام والتّحطّم الدّاخليّ، أو البحث المستميت عن فرصة لولادة جديدة تخلق لهم الغد الأفضل. تتكشّف في شخصيّة عبد السّلام الملامح النّفسيّة لشاب فنّان، اتّبع المدرسة السّيرياليّة في الرّسم والنّحت؛ كمنفذٍ تعبيريّ يتيح له التّسامي فوق الواقع المرير والغوص في غياهب اللّاشعور، مستمدًّا أسلوبه التّلقائيّ الانفعاليّ من قامات سيرياليّة عالميّة أمثال "سلفادور دالي" و"فلاديمير كوش"، وعلى الرّغم من انشغال باله بالأهوال الّتي حلّت بحارته ومعاناة أهلها، فإنّ مأساة البتول بقيت الجرح الأعمق الّذي يعتصر قلبه، ليجد نفسه وجهًا لوجه مع حقيقة أنّه إنسان مهشّم، يعيش تحت وطأة الفاجعة والتّفكير المستمرّ. يشكّل هذا البناء النّفسيّ والفنّيّ لشخصيّته مرآةً كاشفةً للواقع السّوريّ أثناء الحرب، وللواقع العربيّ المعاصر الممتدّ في أزماته؛ ليغدو النّأي إلى الخيال والقفز فوق الواقع ملاذًا أخيرًا للإنسان العربيّ الهارب من بشاعة الانكسار نحو عوالم اللّاشعور؛ عسى أن يجد فيها خلاصه، فحالة الإنهاك الوجوديّ الّتي تكبّل عبد السّلام تختزل محنة العقل والفكر العربيّ المشلول أمام هول الفواجع والمآسي الإنسانيّة، حيث تتهاوى الذّات وتتحطّم تحت ثقل الشّعور بالعجز. في سؤال آخر يصوّر عمق تشتّت الوعي العربيّ والتّضارب الحادّ في توصيف الصّراعات المعاصرة الّتي عصفت بالمنطقة، يتّضح هذا التّشظّي فيما يطرحه السّارد من حيرةٍ وتخبّط (ص13): "لا بدّ أنّ الانفجار قريب من هنا، ما هذه الحرب المؤلمة؟ طرف يقول إنّها ثورة، والطّرف الآخر يصفها بالأزمة والفتنة، وطرف ثالث يعتنقها جهادًا، وآخر يعدّها احتلالاً، وأطراف أخرى تؤكّد أنّها فوضى". هكذا، يكتوي المواطن البسيط بنار الانفجارات المادّيّة والمعنويّة والآلام اليوميّة وفقدان الأمن، وتتوزّع القوى والأطراف المتصارعة على مسرح السّجال الأيديولوجيّ والسّياسيّ، فالبعض يرى في المأساة ثورةً مشروعة لنيل الحرّيّة والكرامة، ويراها آخرون أزمةً وفتنة تهدّد الاستقرار، بينما يُلبِسها فريق ثالث لبوس الجهاد برؤية عقائديّة، وتعتبرها فئات أخرى احتلالًا يسلب الإرادة، وتراها أطراف إضافيّة فوضى عارمة، لا رأس لها ولا هدف. عند إسقاط هذا النّصّ على واقع الشّرق الأوسط وما يحصل في بعض البلاد العربيّة، يظهر بوضوح كيف تحوّلت النّزاعات من مواجهات ميدانيّة إلى حروب للمصطلحات والرّوايات؛ حيث أدّى هذا التّباين الشّديد في التّوصيف إلى تغييب المأساة الإنسانيّة، وتحويل معاناة الشّعوب والظّروف المعيشيّة الطّاحنة إلى أوراق ضغط في صراعات إقليميّة ودوليّة، وفي المحصّلة يبقى المواطن العربيّ وحده تحت وطأة الحروب، يبحث عن الأمان المفقود وسط عالم تتنازعه التّسميات والمصالح. تبدأ فصول المأساة بعثور الأهالي على والد البتول مكبّلًا ومكمّمًا، ليكشف المشهد لاحقًا عن استباحة جسد ابنته أمام عينيه، وهي الّتي انتحرت بإلقاء نفسها من أعلى سطح الدّار صونًا لكرامتها، غير أنّ السّرد سرعان ما يحلَّق في أفق الفانتازيا والواقعيّة معًا؛ فلغز اختفاء جسدها بالكامل من تحت ركام الأنقاض، وفشل الكلب "ميمو" في الاستدلال عليها، حوّلاها إلى طيف ملائكيّ يحوم ويستولي على أفئدة أهل الحارة؛ ليصبح حضورها الأثيريّ في الأحلام إحساسًا بعدم موتها، وبشارةً بقيامتها وانبعاثها من الرّماد. يكتب (ص72): "لم تنتحر ولم تمت، وستقوم قيامتها قريبًا. يسمع صوت خطوات قادمة من خلف الباب". "يفتح الطّيف القادم الباب، تدخل صبيّة تشبه البتول، أو لعلّها هي نفسها، يشعر أنّه ليس في حلم". "يبتسم طيف البتول، يقترب نحو أذنيه، ينحني، يهمس بكلمات تنمّ عن شيء غريب، وربّما قالت له: "افعل ذلك ولا تخف، فالأشرار لا يستحقّون الحياة". "نعم، أنت تستطيع فعل ذلك، ثمّ تبتعد، تشير إلى إناء الماء فوق طاولته المستديرة، تعود أطيافها خارجة، وعلى صوت أقدامها، يسمع نشيد الثّأر". يغوص النّصّ أيضا في أعماق الحرب وتأثيرها على البشر من خلال شخصيّة ثانويّة هي "الجقجوق"، الّذي يمارس أقصى درجات الشّذوذ بانتهاك جثث النّساء وتصويرهنّ قبل دفنهنّ. يقدّم الكاتب هذه الشّخصيّة مع تصوير خلفيّتها الاجتماعيّة، مُفكّكًا جذور انحرافها من طفولة بائسة، ليمسي اغتصاب الجثث محاولة تعويضيّة قميئة لاستعادة شعور وهميّ بالقوّة والسّيطرة، وهو ما يعكس كيف تخلق النّزاعات كائناتٍ مشوّهة تفرغ أحقادها في أجساد بلا حراك.

عتبة العنوان: يتشكّل العنوان الرّئيسيّ للرّواية "قيامة البتول الأخيرة" مع عنوانها الفرعيّ "الأناشيد السّريّة" من أفقين مرجعيّيَن متكاملَين؛ إذ ينفتح المكوّن الأوّل على مرجعيّة دينيّة وأسطوريّة تحضر فيها القيامة كرمز للانبعاث والتّجدّد والخروج من الرّماد، والبتول كمفهوم يرتبط بالطّهارة والتّضحية. أمّا المكوّن الثّاني المتمثّل في الأناشيد السّريّة، فيحضر من مرجعيّة شعريّة وصوفيّة تحيل على أسرار الباطن والبوح المكتوم، والتّرانيم الّتي تفيض بالمكابدات الرّوحيّة والعشق العصيّ على الشّرح. هذا التّمازج، يمنح العتبة الأولى بعدًا فلسفيًّا يجعلها وثيقةً تصف الفجيعة.

تجلّيات التّحالف العابر للأديان: يعكس أسلوب الكاتب تنوّع حلب الدّيمغرافي والأيديولوجيّ؛ من مسلمٍ ويهوديّ، مسيحيّ وأرمنيّ وغيرهم، وذلك من خلال شخصيّات الحيّ الحقيقيّة والمركّبة الّتي تواجه الجريمة، فيسعى الضّمير الجمعيّ النّسويّ إلى استعادة الكرامة ورفض الامتثال للصّمت عبر العزاء والتّضامن في دار "ست الكلّ"، مُنتِجًا تحالفًا إنسانيًّا عابرًا للأديان بين المسلمة "عيشة هانم" و"ست الكلّ"، والشّابة الأرمنيّة "إلين"، والعجوز "الثّريّا"، وذلك لتقويض محاولة عرّافة الحيّ "خاتون" بتوظيف الخرافة والظّواهر الغيبيّة للتّغطية على الحقيقة، أو تحييد التّعاطف الفعليّ وتغييب الوعي، وهو موقفٌ يجسّد طبيعة المرأة العربيّة في الأزمنة العصيبة؛ إذ تجعل من التّضامن الإنسانيّ درعًا نضاليًّا لتجاوز الانقسامات، وتتصدّى للفواجع بوعيٍ جمعيٍّ قادر على تحويل الألم إلى فعل مقاومة، يعيد ترميم النّسيج المجتمعيّ في أحلك الظّروف. ورد في (ص46): "إنّها أنثى، والنّساء هنَّ أرقى من يقدّرن قيمة أنفسهنّ، لهذا قرّرن التّجمّع في دار ستّ الكلّ، وإعلان تضامنهنّ مع مأساة البتول الّتي تمثّل برأيهن كلّ نساء الكون المضطهدات".

انتقال المشاهد: تعتمد الرّواية بصريّة سرديّة تتنقل بين الاسترجاع والمونولوج وتعدّد الرّؤى؛ حيث تنتقل العدسة من تسارع الحاضر إلى عمق الذّاكرة، متبادلةً وجهات النّظر لإبراز الخوف والتّأمّل لدى الشّخصيّات، لتلتحم أبعاد الواقع بالخيال في نسقٍ متّصل يمحو الفواصل الزّمنيّة والمكانيّة للنّفس البشريّة. الاسترجاع الفنّيّ (Flashback) والذّاكرة: ينتقل السّرد من الواقع الحيّ المتمثّل في القبو وضجيج الانفجارات (ص 11 - 13) إلى الذّاكرة عبر ضربات الإزميل وزفرات القلق؛ فصوت الانفجار وحركة النّحت يعيدان لعبد السّلام صور أسبوع مضى وتداعيات حادثة الاغتصاب (ص 13 - 17). استخدمت المثيرات الحسّيّة، الأصوات والرّوائح كجسور ناقلة؛ فصوت تثاؤب السّور العظيم ينقل المشهد من الكهف إلى عمق التّاريخ والشّارع (ص18- 19)، ورائحة الياسمين تنقل السّرد إلى عوالم شخصيّات كالعجوز العمياء "الثّريا" الّتي تسمع الحركة في زقاق الحارة (ص 29 - 33). ينتقل النّص بسلاسة بين أزقّة الحارة وبيوتها عبر مشاهد خاطفة ومتتابعة تبرز الرّكض والصّراخ والدّمار، وتنتقل السّطور بين دار "أبو النّصر" واقتحامها (ص 22 - 25)، والمقام الصّخريّ للبتول وحركة الأهالي مع الكلب "ميمو" (ص 25 - 28)، ودار "أبراهام فارحي" وفكّ "الميزوزا" (ص 34 - 35)، وصولاً إلى مجلس العزاء النّسويّ (ص 46 - 49). كذلك ينزلق النّصّ من الواقعيّة القاسية لاقتحام المنزل والحرب (ص 22 - 25) إلى فضاءات رماديّة متخيّلة عبر حوارات القلعة وسورها النّائم (ص 18 - 19)، وتَحوّل البتول إلى شبح/حورية وتحليقها كحمامة وتشكّل الهرم الصّخريّ الّذي باركه الأهالي مكان سقوطها (ص 25 - 28).

الخصائص الأسلوبيّة والبنائيّة: تمتاز لغة الرّواية بطابعها الوجدانيّ المفعم بالصّور والتّشبيهات الممتدّة، والمزاوجة بين الفصحى والتّعبيرات الشّعبيّة الّتي تعكس واقعيّة البيئة والمكان، وقد اعتمد الكاتب على راوٍ عليمٍ يستعين بضمير الغائب، فيتنقّل بمرونة بين أفكار الشّخصيات ومشاعرها، كاشفًا خبايا نفوسهم وما يدور في أذهانهم، مع وصف الأحداث والمشاهد الخارجيّة بدقّة. وظّف تقنيّة التّفكيك السّرديّ والزّمنيّ في عرض واقعة اغتصاب "البتول"؛ فلم يورد الحادثة دفعة واحدة، بل تعمّد تجزئتها لتعميق أثرها النّفسيّ. غير أنّنا نسجّل هنا مأخذًا نقديًا يتمثّل في الإسهاب الوصفيّ، الّذي حرم النّصّ أحيانًا من التّكثيف والاختزال، ورغم ذلك، استطاع العمل تقديم بنية سرديّة متماسكة تزخر بالتّعددية الفكريّة والشّخصيات المركبّة الّتي تعكس مرارة الواقع.

التّناص الأسطوريّ ومأساة الضّحيّة: يتّكئ النّصّ على بنية رمزيّة وأسطوريّة تكوّن فيها شخصيّة "البتول" معادلاً موضوعيًّا لمدينة حلب القديمة؛ إذ تجسّد عذريّتها عراقة المدينة وحضارتها التّاريخيّة، في حين يرمز اغتصابها إلى ما تعرّضت له المدينة من استباحة ودمار جرّاء الحرب. يتعمّق هذا البعد لينقل الواقعة المأساويّة من حدود الحادثة الفرديّة إلى رحاب الأسطورة المقترنة بفكريّة البعث والانبعاث كطائر الفينيق. كما يبرز اشتباك الذاتيّ بالموضوعيّ في مناقشة صراع الفرد مع طغيان الظّروف الخارجيّة المحيطة به، من حرب وتشدّد وعنف، وهو صراع يتّسع ليعرّي الهشاشة الاجتماعيّة والتّقاليد الفكريّة المكبّلة الّتي تضغط على الضّحية، دافعةً إيّاها إلى الانتحار وتطهير جسدها بالموت تفاديًا للعار. يكتب (ص17): "فما كان منها والصّورة المرعبة تتملّكها، إلّا أن تزحف فوق خيوط دمها العذريّ، تركض بجنون نحو سطح الدّار الشّرقيّ، تصرخ، تجحظ عيناها احمرارا، وبتأثير الصّدمة تعاود الرّكض فوق درجات السلّم المحترق، تقف على حافّته، ترفع رأسها إلى السّماء، تفتح يديها كحمامة بيضاء، وقبل أن يقتربوا منها تصرخ بأعلى صوتها: يا رب سامحني. وتلقي بنفسها باكيةً".

بين التّوثيق والبناء السّرديّ: نجح الكاتب في الرّبط بين المأساة الذّاتية لشخصيّاته والمسار المفجع الّذي آلت إليه مدينة حلب، مسلّطا الضّوء على المسكوت عنه من الانتهاكات الجسديّة والجنسيّة الّتي تخلّفها الحروب، مجسّدا بعمق أبعاد آثارها المدمّرة. في المقابل، نُسَجِّل على العمل بعض المآخذ؛ منها النّزوع إلى المباشرة والتّقريريّة في بعض المواضع، حيث يتسلّل الصّوت الإيديولوجي للكاتب ليُضعِف اللّمسة السّرديّة، وكذلك المبالغة في توظيف "البتول" رمزًا للمدينة، ممّا يُفقِدها أبعادها الواقعيّة ويحوّلها إلى مجاز أو فكرة متخيّلة. كما أنّ التّناول القائم على الغموض والواقعيّة السّحريّة؛ كاختفاء الجثّة وتحوّل مكان السّقوط إلى ما يشبه المقام، يعدّ تحوّلاً مفاجئًا نحو الفانتازيا، ويقطع التّسلسل الدّراميّ الواقعي للأحداث.

وبعد.. تتمثّل في هذا العمل شهادة أدبيّة وإنسانيّة على بشاعة الحرب وأثرها المدمّر على الفئات الأكثر هشاشة، لتعكس الواقع المؤلم للصّراع السّوريّ الّذي أتى على البلاد والعباد، حيث انتُهِكَت الحرمات واستبيحت النّساء ضحايا للجريمة والانتهاكات. في خضمّ هذا الدّمار، يُسَلَّط الضّوء على لحظة انكسار القيم وسيادة منطق القوّة، حيث تعصف الفوضى بأسس العدالة والقانون ويتفشّى الفساد ويكرّس الضّياع الاجتماعيّ. كما تنبعث من بين ثنايا العنوان رسالة أمل، تفصح عن إمكانيّة البعث والقيامة مجدّدًا من تحت الأنقاض، وتعرية ما تغلغل في الأعراف المكبِّلة والنّظم المستبدّة، ليكون ذلك هو السّبيل الوحيد لامتلاك الوعي العميق وتحقيق التّغيير الحضاريّ المنشود. 

روائيّة وناقدة فلسطينيّة

البوابة 24