شاركت دولة فلسطين، أمس الخميس، في أعمال المنتدى الإعلامي الأول لمؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا «CICA»، الذي عُقد في العاصمة الأذربيجانية باكو تحت عنوان «بناء الثقة من خلال الإعلام في عالم مستقطَب»، بمشاركة ممثلين عن الدول الأعضاء والمؤسسات الحكومية والإعلامية والأكاديمية ووكالات الأنباء والصحفيين ومراكز الفكر ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب ممثلين عن منظمات إقليمية ودولية.
ومثّل دولة فلسطين في المنتدى سفيرها لدى جمهورية كازاخستان وعميد السلك الدبلوماسي العام، السفير الدكتور منتصر أبو زيد، الذي ألقى كلمة أكد فيها أهمية الإعلام المسؤول في تعزيز الثقة والحوار والتفاهم بين الشعوب، في ظل تصاعد التوترات والأزمات الدولية.
وافتتحت جمهورية أذربيجان، بصفتها رئيسة مؤتمر «CICA»، أعمال المنتدى بكلمة ترحيبية، أكدت فيها أهمية انعقاده في ظل التطورات الإقليمية والدولية الراهنة، فيما استعرض الأمين العام للمؤتمر، السفير قيرات ساريباي، مسيرة «CICA» منذ تأسيسه عام 1992، والجهود المبذولة لتعزيز الحوار والتعاون وبناء الثقة بين الدول الأعضاء.
وأكد السفير أبو زيد أن موضوع المنتدى يكتسب أهمية خاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والخلافات وحالة انعدام الثقة، مشيراً إلى أن وسائل الإعلام لم تعد تقتصر على نقل المعلومات، بل أصبحت تؤدي دوراً مؤثراً في تشكيل الوعي العام والتصورات تجاه القضايا الدولية.
وأوضح أن الإعلام يمكن أن يسهم في تعزيز الثقة بين الشعوب والدول، كما يمكن، في المقابل، أن يؤدي إلى تآكلها، الأمر الذي يجعل الالتزام بالدقة والمهنية والمسؤولية الأخلاقية ضرورة أساسية في العمل الإعلامي.
وتناول السفير أبو زيد أوضاع الصحفيين الفلسطينيين، مشيراً إلى أنهم يعملون في ظروف بالغة الخطورة، ويؤدون دوراً أساسياً في نقل ما يجري على الأرض وتوثيق الأحداث، بما في ذلك الدمار والنزوح والمعاناة الإنسانية.
وشدد على أن حماية الصحفيين وضمان قدرتهم على العمل بحرية واستقلالية لا تتعلق بالسلامة المهنية فحسب، بل ترتبط أيضاً بحق المجتمعات في الحصول على معلومات موثوقة، وبالمسؤولية الدولية تجاه حرية الصحافة وسلامة العاملين في المجال الإعلامي.
وفي هذا السياق، تساءل السفير أبو زيد عن مصير حق المجتمع في معرفة الحقيقة عندما يفقد الصحفي حياته أثناء أداء واجبه، مؤكداً أن فقدان الصحفي لا يعني خسارة حياة إنسان فحسب، وإنما يعني أيضاً فقدان شاهد كان بإمكانه نقل الحقيقة وتوثيق ما يجري على أرض الواقع.
كما تطرق إلى التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى الفرص التي يتيحها للصحافة، ولا سيما في تحليل المعلومات والتحقق من الحقائق وتوسيع الوصول إلى المعرفة وتسريع نشر المعلومات، مقابل المخاطر المرتبطة بالمعلومات المضللة والمحتوى المفبرك والتلاعب بالرأي العام.
وأكد ضرورة أن يرافق التطور التكنولوجي التزام مهني واضح، وشفافية، ورقابة بشرية، واحترام للمعايير الصحفية والأخلاقية.
وشدد على أهمية أن تعمل وسائل الإعلام المسؤولة على خلق مساحات للحوار والتفاهم واحترام الكرامة الإنسانية، وألا تسهم في تعميق الانقسامات، مشيراً إلى أن «CICA» يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تعزيز التعاون الإعلامي بين الدول الآسيوية، من خلال تبادل الخبرات المهنية، وتشجيع التغطية الموضوعية، ومكافحة المعلومات المضللة، وتعزيز الحوار والتعاون الإقليمي.
وقال السفير أبو زيد: «إن دولة فلسطين تؤمن بأن الثقة تبدأ بالحقيقة؛ والحقيقة تحتاج إلى صحافة حرة ومسؤولة؛ والصحافة الحرة تحتاج إلى حماية الصحفيين واحترام حق كل شعب في أن يُسمع صوته».
ودعا إلى أن يشكل المنتدى الإعلامي الأول لـ«CICA» خطوة نحو بناء فضاء إعلامي تكون فيه وسائل الإعلام جسراً بين الشعوب، ومنصة للحوار، وأداة لتعزيز السلام والتفاهم المتبادل، وليس مصدراً للانقسام وانعدام الثقة.
وعقب الكلمات الافتتاحية، شارك السفير أبو زيد في جلسة للأسئلة والأجوبة، تركزت خلالها الأسئلة على الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، إلى جانب أوضاع الصحفيين الفلسطينيين في ظل الظروف الراهنة.
وأكد، في معرض رده على الأسئلة، أن القيادة والشعب الفلسطيني يتمسكون بالسلام والأمن والاستقرار، وأن هذا التوجه شكّل أساساً لانخراط الجانب الفلسطيني في عملية السلام وتوقيع اتفاقيات أوسلو.
وأشار إلى أن مسار السلام واجه لاحقاً تحديات وعقبات حالت دون تحقيق التسوية المنشودة، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني ما زال يتطلع إلى تحقيق السلام وإقامة دولته المستقلة والقابلة للحياة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، والعيش بأمن وسلام إلى جانب الآخرين.
كما تناول الأوضاع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيراً إلى الظروف الصعبة التي يواجهها الفلسطينيون، بمن فيهم المدنيون والصحفيون والأطباء والعاملون في مختلف القطاعات، ومؤكداً أهمية حماية المدنيين والصحفيين واحترام قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
ويهدف المنتدى الإعلامي الأول لـ«CICA» إلى تعزيز دور الإعلام في بناء الثقة والتفاهم بين الدول الأعضاء، وتشجيع نقل المعلومات الدقيقة والموثوقة، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية ووكالات الأنباء، وتبادل أفضل الممارسات في مواجهة المعلومات المضللة، إلى جانب بحث الفرص والتحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي على مستقبل العمل الإعلامي.
وتأتي مشاركة دولة فلسطين في المنتدى في إطار حضورها وتفاعلها في فعاليات مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا، والاستفادة من المنصات الإقليمية والدولية لتعزيز التواصل والحوار مع الدول الأعضاء، وإيصال الموقف الفلسطيني بصورة مهنية ومباشرة.


