غزة/ البوابة 24- صفاء كمال:
حين بدأ الألم يشتد في أحد أضراس عبد الرحمن عطاالله، البالغ من العمر 14 عامًا، لم يكن الصبي يعرف أن الوصول إلى علاج لسنّه قد يكون أصعب من احتمال الوجع.
كان عبد الرحمن بحاجة إلى علاج عصب، بحسب ما أبلغت الطبيبة والدته، لكن كلفة العلاج بدت أكبر من قدرة الأسرة التي فقدت معيلها خلال الحرب.
فمنذ استشهاد والده، الذي كان يعمل عتالًا بنظام المياومة، لم يعد للأسرة مصدر دخل ثابت، لتجد والدته نفسها أمام كلفة علاج لا تملكها، وطفل يواصل الألم حضوره في يومه وليله.
حالة عبد الرحمن تختصر جانبًا من أزمة أوسع يعيشها مرضى الأسنان في غزة، فالوصول إلى العلاج لم يعد مرتبطًا بتوفر الطبيب وحده، بل بقدرة الأسرة على دفع الكلفة، وتوفر المواد اللازمة للعلاج، وقدرة العيادة نفسها على الاستمرار في تقديم خدماتها.
ولا تبدو المشكلة محصورة في الحالات التي وصلت إلى العيادات، إذ أظهر تقرير للحالة الإنسانية صدر في يونيو/حزيران 2026م أن مجموعة الصحة أبلغت عن نقص في مستلزمات طب الأسنان، إلى جانب مواد أخرى، بما يؤثر في خدمات علاج الأسنان في القطاع.
وتشير دراسة حديثة تناولت أثر الحرب في صحة الفم لدى سكان غزة إلى أن ألم الأسنان كان الشكوى الأكثر انتشارًا بين المشاركين، إذ أبلغ 359 شخصًا من أصل 600 عن معاناتهم منه، بنسبة 59.9%. كما جاءت الحاجة إلى تخفيف الألم في مقدمة الخدمات التي اعتبرها المشاركون أكثر إلحاحًا، تلتها خدمات خلع الأسنان وعلاج اللثة والترميمات، فيما ذكر 6.8% حاجتهم إلى علاج أسنان للأطفال.
هذه الأرقام لا تعني أن ألم الأسنان جديد على سكان غزة، لكنها تكشف حجم الحاجة في وقت أصبحت فيه القدرة على الوصول إلى العلاج أكثر صعوبة، فيما يمكن لتأجيل التدخل أن ينقل الحالة من علاج بسيط إلى إجراء أكثر تعقيدًا وكلفة.
مسكنات
قبل نحو عام، بدأت منى الشنتف، البالغة من العمر 45 عامًا، والأم لخمسة أطفال، تشعر بألم في أحد أضراسها. قصدت عيادة أسنان، لكن حين اطلعت على قائمة الأسعار، وجدت أن كلفة العلاج أكبر مما تستطيع تحمله، فاختارت الانتظار والاعتماد على المسكنات، على أمل أن يهدأ الألم أو تتمكن لاحقًا من توفير المال اللازم.
مرّ عام كامل، ولم يتراجع الوجع، بل تدهورت حالة الضرس، وأصبحت منى بحاجة إلى علاج عصب وتركيب بديل، بعدما لم يعد الانتظار حلًا ممكنًا.
قصة منى لا تعكس ارتفاع أجور العلاج وحدها، إذ تبدأ الزيادة من المواد التي يحتاجها الطبيب لتنفيذ العلاج أصلًا.
فبحسب أطباء تحدثوا إلى موقع "الجزيرة نت"، ارتفع سعر علبة التخدير من نحو 150 شيكلًا قبل الحرب إلى نحو 500 شيكل، فيما قفز سعر مادة "Zeta Plus" المستخدمة في أخذ طبعات الأسنان من نحو 150 شيكلًا إلى ما بين 5,000 و6,000 شيكل عند توفرها.
كما كانت كلفة خلع السن قبل الحرب تتراوح بين 30 و150 شيكلًا، والخلع الجراحي بين 100 و300 شيكل، وفق المصدر نفسه.
وفي إحدى الحالات التي عايشتها الشنتف في إحدى عيادات الأسنان -وقت مراجعتها- أُبلغ أحد المرضى بأن كلفة الحشوة تبلغ 350 شيكلًا، فاختار خلع السن مقابل 50 شيكلًا، لعدم قدرته على تحمل كلفة الحفاظ عليه.
هنا لا يعود السعر مجرد رقم يضاف إلى فاتورة العلاج، بل يصبح عاملًا في القرار الطبي نفسه: هل يستطيع المريض إنقاذ سنّه، أم يختار خلعه لأن كلفته أقل؟
وهذا التحول لا يرتبط بالمرضى وحدهم، فطبيب الأسنان يعمل أيضًا ضمن سوق تعاني من نقص المواد والمستلزمات. ووفق أطباء أسنان في غزة، يشمل النقص مواد التخدير والحشوات وعلاج العصب والحشوات المؤقتة، إلى جانب مستلزمات التعقيم والاستخدام الواحد وقطع غيار أجهزة طب الأسنان.
وتقول الطبيبة مرح الأسطل: "هذا النقص انعكس على الخيارات العلاجية المتاحة للمرضى"، مشيرة إلى ازدياد حالات خلع الأسنان بدل علاجها، في ظل ارتفاع كلفة العلاج والمواد المطلوبة له.
نقص في المواد والمختبرات والأجهزة
ولا تتوقف آثار النقص عند الحشوات أو علاج العصب، إذ أفادت وكالة "وفا" في سبتمبر/أيلول 2026م بأن مختبرات الأسنان تواجه نقصًا في مواد تركيبات الزيركون، ومواد صب المعادن والبورسلان، إلى جانب صعوبة الحصول على قطع غيار الأجهزة، ما يجعل تنفيذ التركيبات والجسور أكثر صعوبة وكلفة.
وهذا ما يجعل حالة محمد عبيد، البالغ من العمر 60 عامًا، مختلفة عن حالة منى، لكنها متصلة بها من حيث صعوبة الوصول إلى العلاج.
كان عبيد يعاني مشكلات في أسنانه حتى قبل الحرب، وخضع لتركيبات شملت القواطع والأضراس. لاحقًا، ظهرت مشكلة في أحد الأسنان المركبة، إذ تراكمت بقايا الطعام حوله أو تحته وظهرت رائحة كريهة، ما استدعى تدخلًا طبيًا.
ولا يعني ظهور مشكلة في سن مركب واحد بالضرورة الحاجة إلى استبدال كامل التركيبة، إذ يتوقف ذلك على نوعها، وحالة السن المتضرر والأسنان الداعمة، وطريقة تثبيت الجزء المتأثر.
ففي بعض الحالات يمكن استبدال السن أو التاج المتضرر وحده، بينما قد تحتاج بعض الجسور أو التركيبات إلى إعادة تصنيع جزء أكبر منها إذا كانت المشكلة مرتبطة ببنيتها أو بالأسنان التي تستند إليها.
لكن حتى هذا النوع من العلاج يحتاج إلى مواد ومختبرات وأجهزة، وهي عناصر أصبحت أكثر صعوبة في الوصول إليها خلال الحرب، ما يضيف طبقة أخرى إلى كلفة العلاج وصعوبته.
من نقص المواد إلى فقدان السن
ولم يعد نقص المستلزمات يؤثر فقط في موعد العلاج أو سعره، بل في قدرة الطبيب على اختيار العلاج الأنسب أصلًا، "فبعض الخدمات، مثل إعادة علاج العصب في الحالات المعقدة، أصبحت صعبة أو غير متاحة، فيما قد تدفع كلفة العلاج بعض المرضى إلى اختيار الخلع بدلًا من محاولة إنقاذ السن" وفق الأسطل.
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع تأجيل العلاج -تضيف- فالحالة التي تبدأ بألم يمكن السيطرة عليه قد تتطور إلى التهاب أو خراج، وقد يصبح علاجها لاحقًا أكثر تعقيدًا وكلفة، أو تنتهي بفقدان السن.
تلتقي حكايات عبد الرحمن ومنى ومحمد عند نقطة واحدة، رغم اختلاف بداياتها: ألم يحتاج إلى علاج، وعلاج يحتاج إلى مواد، ومواد أصبحت كلفتها أو توفرها عائقًا أمام المريض والطبيب معًا، وعندما تضيق الخيارات، قد يصبح خلع السن، الذي كان يفترض أن يكون حلًا أخيرًا، الخيار الذي يمكن للمريض دفع ثمنه.
