محمد سعد العجلة:
ليس من السهل الإحاطة بكل منجزات المؤرخ سليم عرفات المبيض في حيز هذا المقال، فهو الذي حمل على عاتقه أن يكتب غزة (ولا أقول أن يكتب عن غزة) ويوثقها، فتناول في مؤلفاته تاريخها وجغرافيتها ونقودها وأمثالها الشعبية وبناياتها الأثرية الإسلامية والمسيحية، وترجم للعديد من رجالاتها، وكان لا يكل ولا يمل، حتى بعد تقدمه في السن، فتجده يفتش باستمرار عن كل جديد في هذه الجوانب، ويتجشم عناء البحث الميداني إذا علم أو سمع عن اكتشاف آثار، أو لمعاينة مذكرات شخصية باتت مهددة بالنسيان والإهمال.
بقي سليم المبيض على هذه الهمة وهذا النشاط المتوقد حتى اندلاع حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023، بعد أكثر من عام بقليل، على رحيل زوجته؛ هذا الرحيل المؤلم الذي أثر عليه سلباً، فجاءت الحرب بما حملته من موت ودمار ونزوح وتجويع، لتنال من صحته وعافيته وقد تجاوز الثمانين، وعاش أوقاتاً صعبة وهو ينزح من مكان لآخر، ما أدى إلى مرضه وتدهور حالته الصحية، ثم إلى وفاته في الشهر الخامس من الحرب. ومن المحزن أن تكون وفاته في خضم حرب الإبادة، فالناس في ظل استشهاد المئات يومياً كانت منشغلة بالبحث عن أي طوق نجاة، فكان رحيلة خسارة مركبة، أولاً لأن مثل هؤلاء العلماء لا يعوضون بسهولة، وثانياً لأنهم يرحلون بلا تشييع يليق بهم، ولا بيت عزاء يواسي ذويه ومريديه وأحبابه، ولا حفل تأبين يستذكر مآثره ويلقي الضوء على منجزاته.
كان للزمان والمكان الذي ولد ونشأ فيه سليم المبيض أثر عميق على تكوينه النفسي والعقلي، وبالتالي على شخصيته. فهو من مواليد حي الشجاعية بمدينة غزة عام 1943، وتلقى تعليمه في مدارس المدينة، ثم حصل على ليسانس الجغرافيا من جامعة عين شمس عام 1965، ودبلوم الدراسات العليا من الجامعة نفسها عام 1966. أي إنه في سنوات طفولته المبكرة شاهد بأم عينيه مأساة أشقائه اللاجئين الفلسطينيين، وهم يتدفقون على قطاع غزة من مختلف مناطق جنوب ووسط فلسطين، أي من جميع القرى الواقعة شمال وشرق قطاع غزة، والمجدل وقراها، وأسدود ويبنا، واللد، والرملة، وغيرها، إثر النكبة عام 1948 وبعضهم قدم إلى حي الشجاعية، بينما اضطر لاجئون كثيرون آخرون إلى التوجه للضفة الغربية ولبنان والأردن وسوريا. وسمع وهو لا يزال طفلاً قصصهم وأحاديثهم المليئة بالأحزان والآلام والخوف والقلق وبعض الأمل. وجاءت الأحداث التي تلت النكبة حبلى بكثير من التطورات السياسية والأمنية، أبرزها العدوان الثلاثي عام 1956 على جمهورية مصر العربية الشقيقة، والذي كان من نتائجه وقوع قطاع عزة تحت الاحتلال الإسرائيلي لمدة أربعة شهور، حيث كان يدار القطاع آنذاك من قبل الدولة المصرية، واستمرت الأحداث في التصاعد وصولاً إلى حرب 1967 التي مثلت صدمة هائلة لكل مواطن عربي.
كما أن نشأته بحي الشجاعية الشعبي، بما يزخر به من حكايات وعادات وتقاليد وأمثال متوارثة عبر الأجيال، نمّى لديه حب المعرفة ومجالسة كبار السن وملكة الحفظ. وبقي مأسوراً للطقوس التي تميز بها حي الشجاعية، وخاصة تلك التي كانت تمارس "أيام الخمسان" التي تقع أيام خميس متتالية خلال شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) من كل عام، وهي موسم اجتماعي وديني وتراثي قديم، يتمثل في زيارة أضرحة ومقابر الصالحين والشهداء في أيام خميس.
عمل المبيض مدرساً في ثانويات مدينة غزة حتى عام 1979، ثم مفتشاً لمواد الاجتماعيات، وفي عام 1990 عمل محاضراً غير متفرغ في الجامعة الإسلامية بغزة حتى عام 1995. وكان من أوائل المؤسسين لهيئة دار الكتب الفلسطينية وأميناً عاماً لها. وبالتوازي مع عمله الرسمي، انكب طوال تلك السنوات الطويلة على الكتابة والتأليف في كل ما يتعلق بقطاع غزة بشكل خاص وفلسطين بشكل عام. وفور تخرجه نشر عدة أبحاث أكاديمية، في جريدة "أخبار فلسطين" التي كانت تصدر في غزة بمنتصف الستينيات ويرأس تحريرها المرحوم زهير بشير الريس، ومن هذه الأبحاث "كيف نطور صناعة الأسماك على شواطئ غزة" وبحث آخر عن جيولوجية قطاع غزة.
كان باكورة أعماله كتاب "الجغرافية الفلكلورية والأمثال الشعبية الفلسطينية" الصادر عام 1986 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وما لبث أن أصدر كتابه المرجع والهام جداً "غزة وقطاعها: دراسة في خلود المكان وحضارة السكان" عن نفس الهيئة عام 1987، وهو الكتاب الذي وصفه البعض بأنه درة تاج مؤلفات المؤرخ سليم المبيض.
ثم تتابعت مؤلفاته في الصدور وبلغ عددها خمسة وعشرين كتاباً، ومن أبرزها:
- "النقود العربية الفلسطينية وسكتها المدنية الأجنبية" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1989
- "ملامح الشخصية الفلسطينية في أمثالها الشعبية" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1990
- "الحصيدة في التراث الشعبي الفلسطيني" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1991
- "الإبل في التراث الشعبي الفلسطيني" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1993
- "البنايات الأثرية الإسلامية في غزة وقطاعها" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1995
- "النصرانية وآثارها في غزة" الصادر عن مكتبة اليازجي عام 1998
- "وقفية موسى باشا آل رضوان" الصادر عن دار ابن سينا للنشر بالقاهرة عام 2000
- "حلمي أبو شعبان: الأديب الشاعر والصحفي الثائر" الصادر عام 2004
- "المنطار ذاتية المكان وكفاح السكان" الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية عام 2005
- "حمدي عبد الرحمن الحسيني: سيرة المناضل الوطني والأديب الصحافي 1899 - 1988" في ثلاثة مجلدات، وقعت في حوالي ألف ومائة صفحة، الصادر عام 2019
- "مكتبة الجامع العمري الكبير بمدينة غزة - تعريف بنشأتها وبعض تاريخها ومخطوطاتها وجهود مؤرخ غزة عثمان الطباع في إعمارها " الصادر عن أروقة للدراسات والنشر عام 2013
- "مجموعتي من نقود غزة في القرن الخامس قبل الميلاد - نقود لم يجارها شكلاً وموضوعا نقود" الصادر عن مكتبة اقرأ الجديدة في غزة عام 2019
حينما تجالس المبيض أو تستمع إليه في ندوة أو فعالية، تشعر أن غزة كنز لم يُكتشف بعد، بتاريخها الزاخر والمعارك التحولية التي دارت على أرضها وبطولاتها وشهدائها والأمم التي تعاقبت عليها والأحداث الكبرى التي شهدتها، وآثارها فوق الأرض وتلك المدفونة في باطنها. كأن لدى سليم المبيض شعورا بأنه مسؤول عن حفظ ذاكرة غزة وتسجيلها وتوثيقها وشرحها بين دفات الكتب خوفاً عليها من الضياع مع مرور الزمن، أو خوفاً من السطو عليها وتشويهها من قبل الاحتلال الذي يتربص بالشعب الفلسطيني سياسياً وثقافياً واقتصادياً.. إلخ، ولهذا السبب عاش منتبهاً لكل قصة ورواية وحكاية، أو قصاصة ورق أو مذكرات شخصية علاها الغبار والنسيان، وتصرف بروح الحارس الأمين، لكل ما وقع بين يديه، بل وفي كثير من الأحيان كان يجتهد أيما اجتهاد في إقناع أهل وورثة صاحب الأوراق أو المذكرات أن يفرجوا عنها لدراستها وتوثيقها قبل أن يأتيهم الرحيل.
ولا أزال أذكر في إحدى زياراتي الكثيرة له، أنه أهداني نسخة من آخر كتبه، والذي حمل عنوان "مجموعتي من نقود غزة في القرن الخامس قبل الميلاد - نقود لم يجارها شكلاً وموضوعا نقود" ويقع في 216 صفحة من القطع المتوسط، ولما قرأت الكتاب وجدته يغوص عميقاً قارئاً ومستقرئاً ومتأملاً ومحللاً 450 قطعة نقدية فضية، وصفها بأنها "نادرة جداً، بل لا مثيل لها، وتنشر لأول مرة من حيث الكم والكيف". وهذه النقود قامت بسكها مدينة ميناء غزة "أنثيدون" أي الزهرة البيضاء في القرن الخامس قبل الميلاد. ومن خلال البحث المعمق لهذه القطع، وجد الباحث المبيض أنها "معجزة" في حجمها ووزنها وسماها "النقود العدسة"، والعجيب أن يُسك على مساحة هذه النقود الضيقة صور الحكام المحليين وقادة وسلاحف وأسود وفرسان وسفن وطيور. وقبل البدء في تنفيذ هذا الجهد الكبير الذي بذله في تحليل محتواها، بذل جهداً لا يقل عنه بل ربما أكثر منه في البحث عنها وجمعها واقتنائها.
كان شديد الإشفاق على أولئك الذين يضيعون وقتهم بلا فائدة، وأولئك الذين لا يقرؤون ولا يطالعون، وهو لا يألو جهداً في حث جلسائه ومحبيه على تنمية ملكة القراءة والتفكير وحتى الكتابة. وكان أكثر ما يتمنى بخصوص كتبه ومؤلفاته أن يقرأها المهتمون والمثقفون والكتاب وكل الناس، ويناقشوه أو يبدوا رأيهم، وحتى لو أبدى أحدهم أي ملاحظات أو نقد بناء، فهذا من وجهة نظره يثري العمل ويغنيه، ويحث الكاتب على مزيد من الاجتهاد والإبداع.
عاش المبيض حياته معلماً في المدارس والجامعات وبين الكتب وفي أجواء القراءة والتأليف. كانت حياته كلها تتمحور حول الكتابة والتوثيق والاكتشاف لمختلف الجوانب المتعلقة بغزة هاشم، من نقود وشخصيات وسير ذاتية وآثار وتراث وأمثال ومواقع ومواضع وتاريخ وغيرها، وهو مشروع وطني ثقافي ضخم، كان يطمح ويتمنى أن يمتد به العمر لكي يكمله ويحققه بشكل كامل، إلا أن الموت عاجله، تاركاً وراءه عشرات الملفات المفتوحة ومشاريع الكتب والمؤلفات التي كانت تنتظر إتمامها أو الشروع في تنفيذها. وعقب وفاته نعته وزارة الثقافة الفلسطينية في بيان جاء فيه "يعتبر سليم المبيض من أبرز المؤرخين الفلسطينيين والعرب المعاصرين، إذ كرس حياته من أجل ترسيخ الرواية والحكاية الفلسطينية من خلال دوره في الحياة التعليمية والأكاديمية ومن خلال مؤلفاته التي أرّخ بها لفلسطين" وفي نفس البيان، أشاد وزير الثقافة الفلسطيني الدكتور عاطف أبو سيف بالراحل قائلاً "إن رحيل المبيض يشكل خسارة للثقافة الفلسطينية التي أثراها بعشرات الكتب التي عالجت تاريخ فلسطين في مراحل مختلفة".
كاتب صحفي
