أحمد يونس شاهين:
يقترب المشهد السياسي الفلسطيني من محطة زمنية فاصلة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الأبرز المتمثل في الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر المقبل. ورغم الخطوات اللوجستية المتسارعة التي تتخذها لجنة الانتخابات المركزية لضمان الجاهزية الإجرائية وفتح باب الترشح وقبول القوائم، إلا أن الأروقة السياسية تضج بمؤشرات تدفع بقوة نحو سيناريو التأجيل . ولم يعد الجدل مقتصراً على الأسباب الفنية والميدانية، بل بات مرتبطاً بالموجة الجديدة من الحوار الوطني الشامل المرتقب في القاهرة برعاية مصرية، والذي أعاد رسم ملامح الخيارات المطروحة بين تأجيل تقني قصير الأجل (حتى يناير 2027)، أو يمتد حتى منتصف عام 2027. يعتمد ذلك على الدور المحوري الذي يلعبه حوار القاهرة في تحديد مصير صندوق الاقتراع ومدى جدية الفصائل حول نقاط أساسية: 1. حوار القاهرة: هل نبحث عن جسر للانتخابات أم مظلة للتأجيل؟ تأتي دعوة الرئيس محمود عباس للفصائل لعقد جولة جديدة من الحوار الوطني في مصر لتضع ملف الانتخابات العامة في صدارة الأجندة المطروحة. ومع ذلك، فإن الفصائل تذهب إلى القاهرة محملة بتساؤل جوهري: هل الهدف هو تذليل العقبات لإنجاح الاستحقاق في موعده، أم البحث عن توافق وطني يمنح غطاءً سياسياً لقرار التأجيل؟ وهنا يبرز الموقف المصري الحازم، فالمعطيات تشير إلى أن القاهرة تضع الانتخابات كأولوية قصوى، وتُبدي معارضة واضحة لمحاولات تكرار سيناريو تأجيل عام 2021. وترى الرؤية المصرية أن الممارسات الإسرائيلية في القدس أو الواقع المعقد في قطاع غزة يجب ألا يُتخذ كذريعة لتعطيل تجديد الشرعيات، بل كدافع لإنهاء الانقسام والاحتكام للشعب. في المقابل، تطالب قوى رئيسية وعلى رأسها حركة فتح بضرورة بناء جبهة داخلية متماسكة وتوافق وطني غير مشروط يحدد المسار المستقبلي قبل التوجه للصناديق، محذرة من أن إجراء الانتخابات دون مظلة توافقية صلبة قد يعمق التشظي الداخلي. هذا الربط الجدلي جعل الحوار الوطني في مصر بمثابة الممر الإجباري الذي سيتحدد من خلاله مصير مرسوم الانتخابات. من جهة أخرى هناك تخوفات من الموقف الاسرائيلي فهل ستسمح تل أبيب بإجراء الانتخابات في الضفة والقدس وغزة؟ في الوقت الذي تستند العقيدة السياسية والأمنية الراهنة لحكومة الاحتلال على استراتيجية الفصل الجغرافي والسياسي التام بين الجغرافيا الفلسطينية؛ حيث تسعى بشكل حثيث لترسيخ عزل القدس وتهويدها، وإبقاء قطاع غزة ككيان منفصل ومحاصر بعيداً عن مركز القرار في الضفة الغربية. بناءً على هذه الرؤية الإسرائيلية، فإن السماح بصندوق اقتراع فلسطيني موحد يربط القدس وغزة والضفة تحت مظلة برلمان واحد وحكومة واحدة، يُعد بمثابة نسف مباشر لمشروع الفصل الإسرائيلي. لذلك فإن الحكومة الاسرائيلية لن يكتفي بمنع الانتخابات في القدس فحسب، بل ستستخدم كل أدواتها الأمنية والميدانية لمنع أي استحقاق ديمقراطي يعيد لحم الهوية السياسية الفلسطينية الموحدة. حتى في حال إصرار القاهرة وبعض الفصائل على المضي قُدمًا، يصطدم المسار الانتخابي بعقبات جيوسياسية هائلة يجري استحضارها بقوة على طاولة المفاوضات تتمثل في: 2- مأزق السيادة في القدس: الرفض الإسرائيلي المطلق للسماح بالدعاية والاقتراع الحر داخل القدس الشرقية المحتلة. ورغم وجود بدائل فنية طرحتها لجنة الانتخابات (كالتصويت في الضواحي ومكاتب البريد)، إلا أن المسألة تظل في جوهرها معركة سياسية سيادية يرفض الفلسطينيون تقديم أي تنازل وطني فيها، لأن القبول بانتخابات دون القدس هو إقرار ضمني بالرواية الإسرائيلية. 3- الواقع الإنساني في غزة: الكارثة الميدانية والإنسانية الناتجة عن حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والتي دمرت البنية التحتية والمؤسساتية وعقدت إمكانية مشاركة نحو ما يقارب مليون وثلاثمائة ناخب يرزحون تحت وطأة النزوح المستمر وغياب الاستقرار الأمني. 4- سيناريو الدمج والترحيل الاستراتيجي إلى 2027 إذا ما أفضى الحوار الوطني في القاهرة إلى صيغة توافقية تقر بصعوبة الالتزام بالتاريخ الحالي (نوفمبر المقبل) أمام التعنت الإسرائيلي واستحالة الواقع في غزة، فإن سيناريو التأجيل إلى منتصف عام 2027 يبرز كخيار استراتيجي مطروح خلف الكواليس لتجاوز الأزمة من خلال مسارين: المسار الأول: دمج الانتخابات التشريعية المؤجلة مع الانتخابات الرئاسية المقررة أصلاً في الربع الأول من عام 2027. يتيح هذا التزامن فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني كرزمة واحدة (تشريعي، ورئاسة، ومجلس وطني)، وهو ما يتماشى مع السقف الزمني الأقصى الذي قد تلجأ إليه منظمة التحرير لإعلان التأجيل الشامل. المسار الثاني: يمنح هذا التأجيل الطويل القوى السياسية، وخاصة حركة فتح، متسعًا من الوقت لإعادة ترتيب بيتها الداخلي ومعالجة التباينات لتجنب تشتت الأصوات، وبناء استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة الرفض الإسرائيلي الممنهج لوحدة الأراضي الفلسطينية. لقد تحول موعد الانتخابات الفلسطينية من مجرد استحقاق إجرائي دوري إلى محرك وموضوع أساسي لـ الحوار الوطني في القاهرة . وفي ظل المعادلة الراهنة، تبدو الفجوة كبيرة بين إصرار مصر وبعض القوى على التمسك بصندوق الاقتراع كطوق نجاة، وبين رغبة أطراف أخرى في البحث عن مخرج تقني لتأجيل معلن يقيها الصدام الإسرائيلي والميداني. وتشير القراءة التحليلية إلى أن القرار الفعلي لم يعد بيد لجنة الانتخابات الفنية، بل سينبثق مباشرة من نتائج لقاءات القاهرة وتوافقاتها الجيوسياسية. وإذا لم ينجح الحوار في صياغة خطة مواجهة وطنية موحدة لتحدي "استراتيجية الفصل الإسرائيلية" وتجاوز عقبات غزة، فإن خيار ترحيل الانتخابات التشريعية ودمجها في رزمة شاملة بمنتصف عام 2027 سيكون السيناريو الأكثر واقعية وملاءمة للحسابات المعقدة الراهنة.
كاتب صحفي
