غزة / آيه عمر
تتفقد أمينة أبو عجوة، "36 عامًا"، كيس الدقيق الذي تضعه إلى جانبها، لتعرف كم يومًا يمكن أن تصمد بالكمية القليلة المتبقية مع أطفالها الأربعة، وكم رغيفًا يمكن أن تخرج منه قبل أن تضطر للبحث عن شيء آخر تطعمهم به.
منذ استشهاد زوجها في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبحت أمينة وحدها في مواجهة مسؤولية أربعة أطفال، من توفير الطعام والمياه إلى تأمين الدواء ورعايتهم. وكانت كفالة الأيتام التي تصل إلى أطفالها تساعدها في تحمل جانب من هذه المسؤوليات، وتمنحها موردًا شهريًا، ولو محدودًا.
توقف الكفالات
لكن منذ أربعة أشهر، توقفت إحدى الكفالات، ومنذ ثلاثة أشهر لم تصلها أخرى. في البداية، ظنت أمينة أن الأمر مرتبط بإجراءات إدارية أو بتجميد حسابات الأيتام والشهداء في بنك فلسطين، وانتظرت أن تعود الأمور إلى طبيعتها. ومع مرور الوقت، لم تجد جهة واضحة تخبرها بسبب التوقف أو تحدد لها موعدًا لعودة المساعدة.
تقول أمينة إن الكفالة كانت بالنسبة لها رسالة غير مباشرة تشعرها بأنها ليست وحدها في تحمل مسؤولية أطفالها. "كنت أعرف أن هناك شيئًا سيصلني وأستطيع أن أرتب أموري عليه، أما الآن فلا أعرف ماذا سأفعل في الشهر القادم".
لا تملك أمينة عملًا ثابتًا رغم حصولها على شهادة جامعية، كما أن الخروج من مكان النزوح بحثًا عن عمل يعني ترك أطفالها من دون رعاية، وهو خيار لا تستطيع الإقدام عليه. لذلك أصبحت تعتمد على الطرود الغذائية، أو وجبة تحصل عليها من مطبخ خيري، أو مساعدة صغيرة من جارة، لكن هذه المساعدات لا تأتي في موعد محدد ولا تكفي لتأمين احتياجات الأسرة.
أما حنان أبو غالي، التي فقدت زوجها شهيدًا في بداية الإبادة، وأصبحت مسؤولة عن إعالة ستة أطفال، فتلقى ثلاثة منهم كفالات أيتام، وشكلت تلك المساعدات بالنسبة إليها جسرًا عبرت عليه الأسرة سنوات الحرب، وسندًا خفف عنها جزءًا من أعباء الطعام والاحتياجات اليومية.
تقول حنان إن الكفالات، رغم محدوديتها، كانت تمنحها قدرة على تدبير بعض الضروريات، وتساعدها على الاستمرار في رعاية أطفالها بعد أن فقدت مصدر دخل الأسرة. لكن مع توقفها، وتراجع المساعدات الإغاثية التي كانت تعتمد عليها، وجدت نفسها من جديد أمام المسؤولية كاملة، من دون مصدر دخل أو ظروف تسمح لها بإعالة أطفالها.
لم تعد حنان تبحث عن تحسين ظروف أسرتها، وإنما عن الحد الأدنى الذي يبقيها وأطفالها قادرين على الاستمرار. فغياب الزوج تركها أمام مسؤولية ستة أطفال، وانقطاع الكفالات أزال موردًا كانت تعتمد عليه، فيما لم تعد المساعدات الغذائية التي تصلها قادرة على سد الفراغ.
أما هداية أبو علوان، "66 عامًا"، فقد وجدت نفسها أمام عبء خيالي لا يتصوره أحد؛ فهي تعيل 12 طفلًا من أحفادها فقدوا آباءهم وأمهاتهم خلال الحرب بعد استشهاد عائلاتهم بالكامل.
68 ألف يتيم
وتقول أبو علوان إن خمسة أطفال منهم فقط حصلوا على كفالات أيتام، بينما لم يحصل الأطفال الذين تجاوزوا 12 عامًا على أي كفالات، ومنذ أربعة أشهر توقفت كفالة طفلين آخرين، لتصبح مسؤولة عن اثني عشر طفلًا بما يصلها من كفالات لثلاثة أطفال فقط.
بالنسبة إلى هداية، لم تعد الكفالة مساعدة لطفل بعينه؛ فالمال الذي يصل إلى أحد الأطفال يدخل في احتياجات الأسرة كلها، من الطعام إلى الملابس والدواء. ومع توقف كفالتين، تقلص ما يمكنها تدبيره لأسرة تضم هذا العدد من الأطفال.
تقول هداية إنها تخشى الآن أن تتوقف بقية الكفالات أيضًا، لأن ما يصلها حاليًا بالكاد يساعدها على مواجهة احتياجات الأطفال. وتضع يدها على قلبها كلما فكرت في الاحتمال، فهي لا تعرف كيف يمكن لامرأة واحدة أن تؤمّن الطعام والرعاية لاثني عشر طفلًا .
وقالت المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، عزيزة الكحلوت، إن عدد الأيتام في القطاع تجاوز 68 ألف طفل، بينهم عشرات الآلاف فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، فيما يعيش آلاف الأطفال في رعاية أجدادهم بعد فقدان أو غياب آبائهم وأمهاتهم.
وأوضحت الكحلوت أن الغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال لا يحصلون على كفالات ثابتة، بينما يعتمد بعضهم على كفالات شخصية أو مساعدات مالية بسيطة، أو على أقارب تولوا مسؤولية رعايتهم، مشيرة إلى أن أطفال الحرب منذ عام 2023 لم ينتقل أي منهم حتى الآن إلى كفالة مؤسسية كاملة.
وبيّنت أن كفالة اليتيم لا تنفصل عن وضع الأسرة التي يعيش فيها، خصوصًا عندما تكون الأسرة قد فقدت معيلها وأصبحت المرأة مسؤولة عن إعالة أطفالها، إذ كانت الكفالات تمثل أحد أشكال الدعم التي تساعد هذه الأسر على مواجهة احتياجاتها الأساسية.
وأشارت إلى أن منظومة الحماية تعطي الأولوية، عند توفر شروط الأمان والقدرة على الرعاية، للوالد المتبقي، ثم الجد أو الجدة والأقارب المؤهلين، وبعد ذلك أفراد الأسرة الممتدة وفق تقييم أوضاعهم، فيما يتم اللجوء إلى أسرة بديلة عند غياب قريب قادر على الرعاية، وتبقى مؤسسة الرعاية الاجتماعية الخيار الأخير عند عدم توفر بيئة أسرية مناسبة.
وحول تراجع كفالات الأيتام، قالت الكحلوت إن المشكلة ترتبط بالقيود التي تعيق عمل الجهات والمؤسسات التي تقدم هذه المساعدات، ومنها إغلاق الحسابات البنكية والقيود على التحويلات المالية وإغلاق المعابر، إلى جانب إغلاق بعض الجمعيات والمؤسسات الإنسانية وتعليق عملها ومساعداتها.
وأضافت أن رفض سلطات الاحتلال ترخيص بعض الجمعيات الخيرية التي تعمل في هذا المجال يزيد من صعوبة استمرار برامج الكفالة، ويؤثر على قدرة المؤسسات على إيصال الأموال والمساعدات إلى الأطفال المستحقين بصورة منتظمة.
وأكدت أن التحدي لا يقتصر على عدد المؤسسات العاملة، بل يتمثل أساسًا في اتساع الفجوة بين حجم وتنوع احتياجات عشرات آلاف الأطفال وبين قدرة المؤسسات الحالية على توفير رعاية متكاملة ومستدامة، تشمل إدارة الحالات والكفالات والرعاية البديلة والدعم النفسي والاجتماعي والتعليم والصحة والحماية.
نقص التمويل
وحذرت من أن استمرار هذه الفجوة يضع الأطفال الذين فقدوا والديهم، والأسر التي أصبحت بلا معيل، أمام احتياجات متزايدة في وقت لا تتوفر فيه كفالات ثابتة لجميع الأيتام، ولا تملك المؤسسات القدرة الكافية على تغطية احتياجاتهم بصورة مستمرة.
ولا تقف أزمة الأسر التي فقدت معيلها عند تراجع كفالات الأيتام، إذ تأتي في وقت تتعرض فيه المساعدات الإنسانية في قطاع غزة لضغوط متزايدة بسبب نقص التمويل والقيود المفروضة على العمل الإغاثي، ما ينعكس مباشرة على قدرة الأسر الأكثر فقرًا على تأمين غذائها اليومي.
وحذّر برنامج الأغذية العالمي في يوليو/تموز من اضطراره إلى إجراء تخفيضات أعمق في مساعداته إذا لم يحصل على تمويل إضافي، بعدما خُفّضت المساعدات النقدية المقدمة لنحو 75 ألف شخص بنسبة 25%، فيما جرى تقليص الحصص الغذائية إلى النصف لنحو 220 ألف أسرة. وقال البرنامج إنه يحتاج إلى أكثر من 420 مليون دولار لمواصلة عملياته في غزة والضفة الغربية حتى نهاية العام.
ولا يقتصر الضغط على المساعدات النقدية والغذائية، بل يمتد إلى الوجبات الجاهزة التي تعتمد عليها آلاف الأسر في ظل صعوبة توفير الطعام داخل القطاع. ووفق تقارير الأمم المتحدة، استمرت المطابخ المجتمعية في العمل خلال أغسطس/آب، لكنها واجهت الحاجة المتزايدة إلى التمويل والقيود المرتبطة بالأمن والوصول والإمدادات، في وقت كانت فيه الاستجابة الإنسانية نفسها تعاني نقصًا حادًا في التمويل.
وفي يوليو/تموز، أفادت أوتشا بأن شركاء العمل الإنساني تمكنوا من إيصال مساعدات غذائية عامة إلى أكثر من 260 ألف شخص، لكن بعض أشكال الدعم الغذائي الإضافي توقفت خلال الشهر للحفاظ على المخزونات الطارئة، فيما أدت صعوبات الإمداد ونقص الوقود والتمويل إلى جعل الاستجابة أقل استقرارًا، خصوصًا في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
وبحلول أواخر أغسطس/آب، كانت الأزمة التمويلية أكثر وضوحًا؛ إذ أشارت أوتشا إلى أن النداء الإنساني لعام 2026 لم يكن ممولًا إلا بنسبة 40%، مع نفاد جزء كبير من مخزونات مواد الإيواء والمستلزمات الأساسية، بينما واصلت المطابخ المجتمعية تقديم مئات آلاف الوجبات يوميًا، ما يعكس استمرار المساعدة من جهة، واتساع الاحتياجات ونقص الموارد من جهة أخرى.
وفي هذا الوضع، تصبح الأسرة التي فقدت معيلها أمام واقع أكثر قسوة: كفالة يتيم لم تعد تصل بصورة منتظمة، ومساعدة إنسانية تتقلص أو تتأخر، ومصدر دخل لا تملكه في الأصل. ومع اعتماد كثير من الأسر على المساعدات الغذائية والمطابخ المجتمعية لتوفير وجبة اليوم، فإن أي تراجع في هذه الخدمات لا يعني فقدان مساعدة إضافية فحسب، بل يعني اقتراب الطعام نفسه من حدود العجز عن الوصول إلى المائدة.
تراجع الاستجابة لغزة
وتزداد خطورة هذا الوضع بالنسبة للنساء اللواتي أصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن؛ فوزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية قالت في أغسطس/آب إن أكثر من 28 ألف امرأة في غزة فقدن أزواجهن، وأصبحن يواجهن مسؤولية إعالة أسرهن في ظل النزوح وفقدان مصادر الدخل وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية.
و تتقاطع الأزمات في حياة الأرامل فتراجع الكفالة التي كانت تسند الطفل والأسرة، وتراجع قدرة المساعدات الإنسانية على تغطية الاحتياجات اليومية، تضع المرأة التي فقدت زوجها نفسها أمام مسؤولية إعالة أطفالها من دون دخل ثابت، بينما تتقلص الآمال المتاحة أمامها لتوفير الغذاء.
