عائد زقوت:
رسالة من فلسطينيّ غزّيّ يحيا تحت الركام، ويعيش بين الأنقاض؛ من إنسانٍ لم يعد يسمع في يومه إلا صدى الانفجارات، ولا يرى حوله إلا أرضًا نخرة علاها السواد، وتملؤها رائحة الموت والدم. يكتبها من قلبٍ دافئ، ويعبّر عنها بنفْسٍ شجيّة، ومن آذانٍ أصمتها أصوات القصف؛ كلماتٌ ترسم ملامحها العَبَرات قبل أن يخطّها مدادٌ ممزوج بشتى صنوف الألم والمعاناة. ولأنني أكتب إليكم من غزة، من مكانٍ يعرف معنى الحرب لا من بعيد، ويعرف كيف يمكن للخراب أن يطال الحجر والبشر، وكيف يمكن للانقسام أن يضاعف جراح الوطن، فإنني لا أبعث إليكم هذه الكلمات من موقع الواعظ، ولا من موقع من يملك لكم درسًا؛ إنما أبعثها من قلب فلسطيني يرى في مصر وطنًا شقيقًا، وفي شعبها سندًا، وفي قوتها قوةً لفلسطين، وفي تماسكها حصنًا لا ينبغي أن يُمسّ. أبعثها عبر النسائم الندية إلى شعبٍ صنديد، عصيٍّ، شديد المراس، صقلته عواصف البحار وأعاصيرها؛ إلى شعب مصر العظيم، في يوم نصركم، ذلك اليوم الذي لم يكن نصرًا لمصر وحدها، بل ظلّ في وجداننا الفلسطيني شاهدًا على أن الشعوب، مهما أثقلتها الهزائم، قادرة على أن تنهض حين تستعيد إرادتها وتلتف حول وطنها. قد تخسر الدول معركة عسكرية في ظلال حرب مفتوحة، وقد تعاني الشعوب من الفقر والحاجة، ولربما تبحث عن لقمة فلا تجدها، وقد ينخر في جسدها الفساد والطبقية، وقد تخسر أحيانًا الأمن والأمان؛ لكنها تنهض بعزمها، وتجعل من الهزيمة دافعًا للنصر والبعث من جديد. إلا أن خسارة الحرب الحقيقية تكمن في أن يسود الانقسام والتشظي بين هذا وذاك، وأن يُقدَّم الولاء للجماعات والأشخاص على الولاء للوطن، وأن تنحدر الأخلاق، وتهيمن لغة الأرقام الدولارية، ويتصدّر المشهد أصحاب العيون الفحماء والخضراء والزرقاء، فتلتبس الرؤية، وتضلّ البوصلة طريقها. لقد برهن الشعب المصري، عبر محطات عديدة كان عنوانها الأبرز نصر أكتوبر المجيد، على قدرته على النهوض بعد العواصف العاتية. لكن عواصف اليوم لا تقتصر على الحرب العسكرية؛ فقد تعددت أشكالها وألوانها، فخطفت بعض الأبصار، وانساق البعض خلفها، وتأثر بها بعضٌ آخر، ليختلط حابلكم بنابلكم، فتنشغلوا بأنفسكم، وتتوقف ساعة الزمن، وتلبثوا في كهفكم زمنًا بعيدًا، فتضلّوا الطريق. يوم نصركم يناديكم: اختلفوا كما تشاؤون، وتجادلوا، وانتقدوا، واختلفوا في السياسات والوسائل؛ لكن عليكم أن تتفقوا على أن السفينة لكم جميعًا، وأن خرقها لا يُغرق خصمًا دون آخر، وأن إضعاف الدولة لا يصيب طرفًا ويترك آخر؛ فحين يتهتك بنيان الجسد، لا تنقذه الروح. صمّوا آذانكم عن حرب الشائعات التي لن تتوقف إلا عند سقوطكم، فأسقطوها بمزيد من الالتفاف حول بلدكم وقيادتكم وشعبكم، وأغلقوا الطريق أمامها بوعيكم وتعاضدكم، وأعملوا عقولكم؛ فالعقل الحر يراجع ما يريد أن يصدقه، ولا يصدّق ما يريد. وآخر ما يخطّه نبض رسالتي: عاشت مصر لتحيا، وتحيا مصر لتعيش.
