أكد أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، جبريل الرجوب، أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة مفصلية تتطلب مراجعة شاملة للمسار السياسي والوطني، داعياً حركة حماس إلى تقديم إجابات واضحة للشعب الفلسطيني حول ما جرى منذ السابع من أكتوبر.
وقال الرجوب، في حوار مع صحيفة «الراي» الكويتية، إن المرحلة المقبلة تستدعي استخلاص الدروس من التطورات التي شهدتها الساحة الفلسطينية خلال السنوات الثلاث الماضية، بما يشمل مستقبل النظام السياسي، وسلاح الفصائل، والانتخابات، إلى جانب مسار القضية الفلسطينية وحل الدولتين.
ودعا حركة حماس إلى إجراء «وقفة مراجعة شاملة» للأحداث التي أعقبت السابع من أكتوبر، وتقديم ما وصفه بـ«كشف حساب» للشعب الفلسطيني، يتضمن إجابة واضحة عن أسباب ما حدث والنتائج التي ترتبت عليه.
وشدد على أن مقاومة الاحتلال تمثل «خياراً استراتيجياً» للفلسطينيين، لكنه أكد في الوقت ذاته أن العمل النضالي يجب أن يخضع لحسابات دقيقة، وأن يكون مدروساً ومحسوباً بما يخدم المصالح الوطنية الفلسطينية.
الرجوب يشيد بالموقف الكويتي
وفي جانب آخر من حديثه، أشاد الرجوب بالموقف الكويتي تجاه القضية الفلسطينية، معتبراً أن الكويت تحتل مكانة خاصة في الذاكرة الفلسطينية، وأن علاقتها بالقضية تعود إلى عقود طويلة.
وقال إن الكويت شكلت، منذ ستينات القرن الماضي ومع انطلاقة حركة فتح، «الحاضنة الأولى» للفلسطينيين، مشيراً إلى استمرار دعمها السياسي والمالي للقضية الفلسطينية ومؤسساتها وشعبها.
وأضاف أن الموقف الكويتي في المحافل الدولية ظل، على مدار السنوات الماضية، واضحاً وثابتاً في مساندة الحقوق الفلسطينية والدفاع عنها.
ملفات سياسية على طاولة المرحلة المقبلة
وتطرق الرجوب إلى عدد من الملفات المرتبطة بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، من بينها الانتخابات المرتقبة، ومستقبل حركة حماس وسلاحها، إلى جانب مسألة خلافة الرئيس محمود عباس، وشكل النظام السياسي في المرحلة المقبلة.
كما تناول مستقبل حل الدولتين في ظل التحولات السياسية والميدانية التي شهدتها المنطقة، مؤكداً أهمية بلورة رؤية فلسطينية قادرة على التعامل مع الاستحقاقات المقبلة، بما يحافظ على الحقوق الوطنية ويضع حداً للاحتلال.
وتأتي تصريحات الرجوب في ظل نقاش فلسطيني متصاعد حول شكل المرحلة المقبلة، ومستقبل العلاقة بين القوى والفصائل، وآليات إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، بالتزامن مع استمرار الجهود السياسية المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية.
نص الحوار
جددت الكويت موقفها المبدئي الداعم للشعب الفلسطيني، والدعوة إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة وعودة السلطة الفلسطينية إليه. أي دور تنتظرون من الكويت اليوم؟
- نوجه التحية والمحبة من فلسطين إلى سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح وسمو ولي العهد الشيخ صباح خالد الحمد الصباح وإلى الشعب الكويتي العظيم، لما قدموه وما زالوا يقدمونه للقضية الفلسطينية.
بالنسبة إلينا، الكويت كانت منذ ستينات القرن الماضي، ومع انطلاقة حركة «فتح»، الحاضنة الأولى لنا، واستمر دعمها السياسي والمالي اللامشروط لفلسطين وللقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني.
وكلمة الكويت في المحافل الدولية كانت دائماً رسالة واضحة في دعم حقوق شعبنا وقضيته.
• بعد مرور ثلاث سنوات على 7 أكتوبر 2023، كيف تقرأون اليوم حصيلته الفلسطينية؟ ماذا ربح الفلسطينيون وماذا خسروا سياسياً وإنسانياً واستراتيجياً؟
- بدايةً، أنا سعيد بهذه الإطلالة من خلال صحيفة «الراي»، بما تحمله من دلالات جغرافية وتاريخية وسياسية، وأتمنى أن أقدم، كفلسطيني حريص على قضيته، رؤية تضيء الطريق لعمقنا العربي لفهم الشبكة المعقدة من المصالح والأجندات والاعتبارات التي يواجهها المشروع الوطني الفلسطيني، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي.
هذه شبكة مصالح معقدة، وإعادة صياغتها، بما في ذلك المواجهة من جانبنا نحن الفلسطينيين، تحتاج إلى الكثير من الجهد والجرأة، للحفاظ على منجزات شعبنا الذي يمتد تاريخه ونضاله لأكثر من قرن، ولا يمكن اختزاله في حدث حصل في السابع من أكتوبر.
لا يمكن أن نتعامل مع التاريخ وكأنه بدأ من هناك. جرائم الاحتلال لم تبدأ في أكتوبر، والفعل النضالي المقاوم الفلسطيني أيضاً لم يبدأ في أكتوبر.
نحن بحاجة إلى فهم التعقيدات والتحديات التي نعيشها في فلسطين، والتي يكون جزء منها أحياناً خارج قدرتنا على السيطرة أو ضبط الإيقاع.
اليوم هناك حرب على الجغرافيا والأرض، وحرب على الديموغرافيا والإنسان، وحرب اقتصادية لضرب عناصر القوة في الصمود، وحرب أمنية وسياسية في محاولة لإفراغ الوطن من مضمونه ومحتوى الإنسان.
• إذا جلست اليوم أمام قيادة «حماس»، فما الدرس الأول الذي تطالبونها باستخلاصه من السنوات الثلاث الماضية؟ وهل مستقبلها السياسي مشروط بتخليها عن السلاح وقبول «سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد»؟
- بالتأكيد. ما حصل في السابع من أكتوبر بحاجة إلى دراسة عميقة ودقيقة، وربطه بكل الحيثيات والظروف التي كنا نعيشها.
نحن في «فتح» نرى أن المقاومة والصدام مع الاحتلال خيار إستراتيجي، لكن الفعل النضالي يجب أن يكون مدروساً ومحسوباً.
نتائج السابع من أكتوبر كانت لها تداعيات وارتدادات كارثية، لكن الاحتلال هو الذي يتحمل مسؤولية الجرائم التي ارتكبها، وهي بالنسبة إليه جزء من سياسته الثابتة على مدار عمر الصراع.
الاحتلال استغل حالة التعاطف التي حصل عليها في الأيام الأولى، واتخذ منها فرصة للإجهاز على المشروع الوطني الفلسطيني، فأعلن حرباً على كل مناحي الحياة: حرباً على الأرض من خلال الاستيلاء والاستيطان، وحرباً على البشر والتطهير العرقي في غزة، وحصاراً وخنقاً للفلسطينيين، وحرباً اقتصاديةً في محاولة لكسر إرادتنا ودفعنا إلى الهجرة وطمس قضيتنا باعتبارها قضية سياسية.
• هل تستطيع «حماس» أن تبقى قوة سياسية فلسطينية بعد الحرب إذا سلمت سلاحها، أم أنكم ترون أن تجربة حكمها لغزة انتهت نهائياً؟ ومن يجب أن يحكم القطاع في اليوم التالي؟
- قبل السابع من أكتوبر كانت السياسة الإسرائيلية قائمة على إدارة الصراع، أما بعده فقد انتقلت إلى محاولة حسم الصراع.
انتقلت إسرائيل من مرحلة احتواء المخاطر إلى مواجهتها بكل عناصر القوة العسكرية، وبدأت تفرض حقائق على الأرض الفلسطينية من خلال توسيع منظومة الاستيطان والاستيلاء على الأراضي والعمل على خنق الفلسطينيين في معازل جغرافية محاصرة.
في الضفة الغربية هناك مئات الحواجز والإغلاقات التي تحاصر المدن والمخيمات والقرى والتجمعات، وتصبح حركة الفلسطينيين من وإلى مناطقهم تحت رحمة الجيش الإسرائيلي.
إضافةً إلى ذلك، هناك ما يجري من تطهير عرقي وإبادة وتدمير واسع للبنية التحتية في غزة.
لكن حجم الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل جعلها، في رأيي، عارية أمام العالم، وأدى إلى تحول في الوعي العالمي تجاه القضية الفلسطينية.
• هل يمكن أن تتخلى «حماس» عن سلاحها؟
- أتمنى على جماعة «حماس» أن تتوقف وتقول الحقيقة: لماذا حصل ما حصل؟
أتمنى منهم أن يقدموا للشعب الفلسطيني كشف حساب، آجلاً أم عاجلاً، وأن يقوموا بمراجعة.
وأعتقد أنهم أمام ثلاثة سيناريوهات:
الأول، أن يقبلوا بأن يكونوا شركاء للاحتلال في تكريس الانقسام. ولا أعتقد أن الاحتلال سيقبل ببقائهم في غزة بلا أسنان من دون تكريس مبدأ فصل غزة عن باقي الأراضي الفلسطينية. وهذا، بالنسبة إليّ، قمة الخيانة، وأنا متأكد أن التيار الوطني في «حماس» لا يمكن أن يقبل بهذا الخيار.
الخيار الثاني، أن يبحثوا عن صيغة ائتلاف مع جزء من الشعب الفلسطيني أو القوى السياسية، وهذا أيضاً لا أعتقد أنه ممكن، لأنه لا يوجد وطني فلسطيني يقبل بذلك.
أما الخيار الثالث، فهو أن يقوموا بالمراجعة التي تقودهم إلى الانخراط في النظام الرسمي الوطني الفلسطيني من دون سلاح.
وهذا يحتاج إلى رؤية استراتيجية، وقبول الالتزامات المطلوبة في البعد السياسي، بما في ذلك التزامات منظمة التحرير الفلسطينية وقرارات الشرعية الدولية والاتفاقات التي وقعتها المنظمة والمواثيق التي قبلت بها.
• ما شكل الدولة التي تريدها؟
- نريد دولة بسلطة واحدة، وسلاح واحد، وقانون واحد، وأمن واحد، وفيها تعددية سياسية وحريات وسيادة قانون وديمقراطية، ومبدأ وحدانية السلطة بالنسبة إلينا مسألة لا نقاش حولها.
بناء الشراكة وهندسة النظام السياسي يجب أن يكونا من خلال صناديق الاقتراع، وليس من خلال صناديق الرصاص.
إذا أرادت «حماس» شرعية وطنية، فعليها أن تكون جزءاً من الشرعية الوطنية، وأن تقبل بهذه الالتزامات، وهذا يمكن أن يعطيها مجالاً لأن تكون جزءاً من الشرعية الوطنية، ومن ثم الشرعية الإقليمية والدولية.
• الرئيس محمود عباس أصدر مرسوماً بإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر، ولجنة الانتخابات ما زالت تنفذ الجدول الرسمي، بينما تقولون أنتم إن الانتخابات لن تُجرى. ولماذا تختلف قراءتكم عن الموقف الرسمي؟
- بصراحة، لن تكون هناك انتخابات من دون توافق وطني.
أما المرسوم الذي صدر، فأنا بتقديري كان يجب أن يسبقه حوار داخل المؤسسات، بما فيها اللجنة المركزية لحركة «فتح» واللجنة التنفيذية وإطار القيادة الفلسطينية.
وأعتقد أن القرار صدر تحت ضغط، وربما تحت ضغط أوروبي أو غيره.
لكن الانتخابات بالنسبة إلى «فتح» ما زالت خيارنا الإستراتيجي للحكم، وطريقنا الوحيد للحكم وتجاوز الانقسام وتحقيق الشرعية الوطنية.
• إذا أُجلت انتخابات 28 نوفمبر، كيف ستقنعون الفلسطينيين بأنهم لا يشاهدون تكراراً لما حدث عام 2021، خصوصاً أنكم وصفتم تأجيل انتخابات 2021 بأنه «خطأ إستراتيجي»؟
- أنا أقول ذلك بعظمة لساني: أكبر خطأ إستراتيجي ارتكبته «فتح» في تاريخها أن بعضنا، وليس كلنا، ذهبوا إلى تأجيل الانتخابات في عام 2021.
كان هناك اتفاق وطني يحدد معالم النظام السياسي ومفاهيم وآليات بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، وكل المرتكزات المطلوبة لديمومة الشرعية الوطنية الفلسطينية.
ولو استمر الاتفاق وتم تنفيذ الانتخابات، لتحققت وحدة الوطن ووحدة الشعب ووحدة القرار ووحدة القيادة ووحدة الهدف ووحدة الوسيلة.
لكن هذا أصبح من الماضي. دعنا نتطلع إلى المستقبل ونستخلص العبر من ثلاث سنوات من العذاب والمعاناة والدمار والمرارة.
• أنتم تقولون إن القيادة لا ينبغي أن تُورَّث وإن صندوق الاقتراع هو الطريق لاختيارها. هل يشمل ذلك موقع الرئاسة بعد محمود عباس؟
- نحن في «فتح» حركة ديمقراطية وواقعية، ولدينا أخلاق وقيم وإرث من جيل المؤسسين يحدد لنا المسار والبوصلة.
الانتخابات هي الطريق لكل شيء. لن يكون هناك توريث، وصندوق الاقتراع هو الطريق الوحيد أمام كل الفلسطينيين لاختيار من يقودهم، وأي اجتهادات أو مناورات خارج هذا الإطار ليست صحيحة.
نحن نحترم الشرعية، وسنحافظ على الشرعية حتى وإن اختلفنا مع رموز الشرعية. لن نختلف على الشرعية وقانونية ودستورية وجودها.
لكن أحداً لا يمتلك أن يورثنا بالتعيين أو بمرسوم. هذا لن يحصل في فلسطين.
• يتردد أنك تدعم مروان البرغوثي للرئاسة... ماذا تقول؟
- مروان البرغوثي من أقرب الناس إلى قلبي، لأسباب ذاتية وموضوعية.
أنا أعرف الرجل منذ عام 1978، وهو قائد وطني براغماتي وواقعي، يمتلك كل عناصر القوة والجرأة الأدبية والأخلاقية للدفاع عن قناعاته، وعلى هذا الأساس أمضى ربع قرن في سجون الاحتلال، إضافةً إلى السنوات التي أمضاها قبل ذلك.
بالنسبة إليّ، مروان أيقونة تنظيمية بالمعنى الفتحاوي، ووطنية بالمعنى الفلسطيني، وأيقونة على مستوى العالم أيضاً، ويجب الحفاظ عليه.
عندما نصل إلى موضوع الرئاسة، فهذا قرار اللجنة المركزية، وهي صاحبة الحق في أن تقرر مَن هو المرشح.
أما الآن، فالموضوع ليس موجوداً على أجندتي إلى حين الوصول إلى جسر العبور إلى العملية الديمقراطية.
• الانتخابات الإسرائيلية ستجري في 27 أكتوبر. ماذا يريد الفلسطينيون فعلياً من الحكومة الإسرائيلية المقبلة: مجرد رحيل نتنياهو أم ماذا؟ وهل تعتقدون أن تغيير رئيس الوزراء سيغيّر الاتجاه الإسرائيلي أصلاً؟
- بتقديري، الانتخابات الإسرائيلية محطة مفصلية في تاريخ إسرائيل، وبالتأكيد ستكون لنتائجها ارتدادات.
نتنياهو، برأيي، أصبحت سياسته خطراً على إسرائيل، بسبب عدائه وحمقه وفاشيته. ولا أعتقد أن نتنياهو يمكن أن يكسب، وأعتقد أن الإسرائيليين قد يلفظونه بسبب الأضرار التي ألحقها بهم على كل المستويات.
لن تأتي حكومة تعترف بحقوقنا بسهولة، والمطلوب منا نحن الوحدة والعمل على توفير كل أسباب الصمود.
• هناك حديث متزايد عن الضم الفعلي للضفة. ما الخط الأحمر الذي إذا تجاوزته إسرائيل يصبح حل الدولتين، من وجهة نظركم، غير قابل للتطبيق؟
- حل الدولتين سيأتي عاجلاً أم آجلاً، لأن هناك ثلاثة عناصر أساسية.
الأول هو العامل الديموغرافي، وهم لم يستطيعوا تغييره بالقوة. الثاني هو الأمن والاستقرار، ولن يحظى الإسرائيلي بالأمن والاستقرار إذا لم تقم الدولة الفلسطينية ويتوقف الإرهاب الرسمي الإسرائيلي بحق الفلسطينيين. والثالث هو الاندماج في المنطقة والعلاقة مع المجتمع الدولي، وإسرائيل اليوم، بحسب رؤيتي، تواجه عزلةً دوليةً متزايدةً بسبب ما تمارسه.
• هل تتوقع أن يغادر الفلسطينيون أرضهم تحت ضغط الحرب؟
- نحن موجودون ولن نغادر.
وأقول لأهلنا في الكويت وفي كل العالم: لن نغادر فلسطين.
نحن باقون ومرابطون في كل شبر، رغم كل الإرهاب والوحشية التي نعيشها.
ومن هنا نتطلع إلى توفير كل أسباب قدرتنا على الصمود، من عمقنا العربي وعمقنا الإسلامي وعمقنا الإنساني.
