أحمد يونس شاهين:
على مدار قرابة عقدين من الزمن، سقطت النخبة السياسية الفلسطينية في فخ ما يمكن تسميته "هندسة التعايش مع الانقسام". تحول الشرخ الجغرافي والسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة من حالة طارئة إلى "وضع راهن" مستقر، بُنيت حوله مصالح ونفوذ وأدير بآليات جعلت من استمراره أمراً ممكناً، وإن كان كارثياً. لكن هذا الزمن انتهى؛ فالأحداث الراهنة وضعت الجميع أمام حقيقة عارية، فإدارة الانقسام لم تعد خياراً ممكناً، والبديل الوحيد اليوم هو "إنقاذ الوطن" من بوابتي وقف حرب الإبادة والذهاب نحو استحقاق الانتخابات. طوال السنوات الماضية، كان المنهج السائد هو الذهاب إلى جولات حوار فصائلية تهدف في حقيقتها إلى تحسين شروط الانقسام لا إلغائه.
هذا النهج التسكيني استغله الاحتلال للاستفراد بكل جغرافيا فلسطينية على حدة، حتى تفجرت أبشع حرب إبادة جماعية وتدمير شامل شهدتها القضية الفلسطينية في العصر الحديث. الآن، وفي ظل حرب وجودية مستمرة ومخططات واضحة للتهجير وفصل غزة سياسياً وإدارياً عن الضفة الغربية، تبيّن أن "إدارة الانقسام" لم تكن سوى استنزاف منظم للوقت والطاقات لصالح المشروع الصهيوني. إن حجم التضحيات، والدمار الهائل، ومحاولات فرض "اليوم التالي" برؤية إسرائيلية، جعلت الانتقال من عقلية "المناكفة" إلى عقلية "الإنقاذ" استحقاقاً معمدّاً بالدم.
يأتي هذا التحول المصيري في وقت تقترب فيه الساحة الفلسطينية من استحقاقات دستورية مفصلية، وهنا يبرز الرابط الوثيق بين إنهاء الحرب وترتيب البيت الداخلي. لا يمكن الحديث عن إجراء انتخابات حرة ونزيهة وسط أشلاء الضحايا وتحت دوي القصف وحصار المدن. لذلك، فإن عقلية الإنقاذ تتطلب اتفاقاً وطنياً فورياً على مرحلة انتقالية تقودها حكومة توافق وطني موحدة تنحصر مهمتها في وقف العدوان، وإغاثة الشعب، والبدء بإعادة إعمار ما دمرته الحرب في غزة، بالتوازي مع تهيئة الظروف السياسية واللوجستية والأمنية لإجراء الانتخابات بشكل متزامن وشامل (في غزة، والضفة، والقدس المحتلة). ويجب ألا تكون هذه الانتخابات سبباً في تعميق الانقسام (كما حدث عام 2006)، بل يجب أن يسبقها توافق على "ميثاق شرف" يضمن احترام النتائج والشراكة السياسية الكاملة أياً كان الفائز، ليكون الصندوق أداة لإعادة بناء النظام السياسي وليس لتفجيره. التحول من الإدارة إلى الإنقاذ يتطلب انقلاباً جذرياً في الإرادة السياسية الفلسطينية ويقوم على ركيزتين:
أولا: استثمار التضحيات سياسياً: إن دماء الشهداء وعزلة الاحتلال الدولية المتصاعدة أمام المحاكم الدولية تمثل رافعة دبلوماسية غير مسبوقة. لكن هذا الزخم سيتبدد ما لم تقابله قيادة فلسطينية موحدة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، تقدم للعالم خطاباً سياسياً متماسكاً يقطع الطريق على ذريعة "غياب الشريك".
ثانيا: التنازل التبادلي عن الأوهام: على جميع الفصائل أن تدرك أن أي حديث عن "سلطة ونفوذ" فوق الركام وفي ظل وجود الدبابات هو ضرب من الوهم، فإنقاذ الوطن يعني التخلي عن عقلية الإقصاء أو الهيمنة، والذهاب نحو شراكة وطنية حقيقية تحمي القرار الفلسطيني المستقل. الحقيقة التي يجب أن يعلمها الجميع إن التاريخ لا يرحم الواقفين في المناطق الرمادية، والشعب الفلسطيني الذي واجه بصدوره وآلامه أعتى الحروب لم يعد يحتمل المزيد من المناورات السياسية أو البيانات الإنشائية. إن الرابط بين الحرب والانتخابات هو رابط بين البقاء والشرعية. الذهاب إلى الحوار الوطني اليوم بعقلية "الإنقاذ" يعني التوافق الشجاع على وقف الحرب، وتوحيد المؤسسات، والتمهيد لانتخابات حرة تُعيد القرار للشعب. إما التوافق لإنقاذ ما تبقى من الوطن، وإما الاستسلام لسيناريوهات التصفية والضياع وسط رماد الحرب.
كاتب صحفي
