أظهرت شهادات أربعة جنود إسرائيليين خدموا في وحدات الاستخبارات ومنظومة الطائرات المسيّرة، حدوث تغييرات في آليات تحديد الأهداف العسكرية وقواعد تنفيذ الهجمات في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وذلك وفق تحقيق نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.
ووفقًا للتحقيق، شملت التغييرات توسيع معايير تصنيف الأشخاص أهدافًا عسكرية، وتعديل تقديرات التناسب بين المكاسب العسكرية والخسائر المدنية، وتسهيل استهداف أشخاص لا يشاركون مباشرة في القتال، ضمن ما يُعرف بـ"الأضرار الجانبية".
وجاءت هذه الشهادات وسط استمرار إعلان الجيش الإسرائيلي تنفيذ هجمات واغتيالات في غزة، إذ أعلن الأحد اغتيال قائد سرية في قوة النخبة خلال الأسبوع السابق، كما تحدث عن مقتل عناصر وقادة من حماس والجهاد الإسلامي.
إلا أن "هآرتس" أشارت إلى أن الأيام الأولى بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 شهدت صعوبات استخباراتية إسرائيلية في تكوين صورة ميدانية عن حماس، بسبب نقص المعلومات المتراكمة عن مستوياتها العملياتية الدنيا.
تقليص جمع المعلومات قبل هجوم 7 أكتوبر
كما ذكر التحقيق أن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" أصدرت، قبل الحرب بنحو عام، تعليمات بحصر التركيز الاستخباراتي في قادة الألوية فما فوق، استنادًا إلى تقديرات بأن الحاجز تحت الأرض والجدار الجديد يجعلان التسلل الواسع مستبعدًا.
ونتج عن ذلك تراجع جمع المعلومات عن عناصر حماس الأقل رتبة، بما يشمل مهامهم ووظائفهم ومصادر دخلهم وعلاقاتهم.
ونقلت "هآرتس" عن جندي استخبارات، أشارت إليه بالحرف "أ" وكان مسؤولًا عن أهداف حماس في غزة، أن التعليمات استبعدت قادة الكتائب والسرايا والمقاتلين وعناصر النخبة، مع التركيز على قادة الألوية ومنظومة الصواريخ.
وقال الجندي: "لم نكن نعرف شيئًا عن حماس وجناحها العسكري على المستوى الميداني. في 7 أكتوبر بدأنا العمل من الصفر تقريبًا لتحديد أفرادهم ونشطائهم".
مطاردة المعلومات وتوسيع قائمة الأهداف
ووفقًا لما ذكره التحقيق، أدى الفراغ الاستخباراتي والشعور بالإخفاق داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بعد هجوم 7 أكتوبر إلى تسارع جمع المعلومات.
وقال أربعة جنود لـ"هآرتس" إن معايير تصنيف الأشخاص مسلحين تغيرت، وتعدلت تقديرات التناسب عند استخدام الأسلحة الثقيلة، وخففت القيود على استهداف المدنيين غير المشاركين في القتال، ما أسهم في ارتفاع أعداد الضحايا المصنفين ضمن "الأضرار الجانبية".
وأشار "التقرير" إلى أن سياسة إطلاق النار قبل الحرب كانت تستند إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التناسب وتقليل الأضرار المدنية، مع إخضاع الاغتيالات في المناطق المكتظة لإجراءات صارمة وموافقات معقدة.
كما استشهد التحقيق بعملية في سبتمبر/أيلول 2003، خلال رئاسة آفي ديختر للشاباك، حين رصد اجتماع سري لقيادة حماس ضم أحمد ياسين ومحمد الضيف وإسماعيل هنية في مبنى بغزة.
وألغيت خطة استخدام قنبلة ثقيلة خشية إصابة المدنيين في الطوابق السفلى، واستبدلت بقنبلة تزن ربع طن، لم تسقط المبنى، ونجا القادة المستهدفون.
وفي المقابل، كشفت شهادات الجنود أن استهداف أشخاص محدودي الأهمية العسكرية خلال الحرب الأخيرة بات يقترن أحيانًا بقبول مخاطر كبيرة على المدنيين.
وبحسب التحقيق، لم تكن زيادة "الأضرار الجانبية" مجرد نتيجة لأخطاء فردية، بل ارتبطت بتوسيع سياسة إطلاق النار، فيما أسهمت محاولة تعويض الإخفاق الاستخباراتي في 7 أكتوبر، بحسب الصحيفة، في تراجع الاهتمام بحجم الخسائر المدنية.

«هاجمنا أسماكًا صغيرة»
وفي السياق ذاته، كشف أحد الجنود عن استعانة شعبة الاستخبارات العسكرية بأشخاص من خارج وحداتها، بينهم جنود احتياط بلا خبرة استخباراتية سابقة، للمشاركة في إدارة الأهداف.
وأضاف الجندي "أ" إنهم بحثوا عن أهداف محدودة الأهمية، شملت أشخاصًا وضعوا رموز حماس على فيسبوك أو قدموا أنفسهم أعضاءً فيها، موضحًا أن بعضهم كانوا عناصر أو مقاتلين في الحركة، لكنهم ظلوا "أسماكًا صغيرة".
ومن جهته، قال جندي آخر، أشارت إليه "هآرتس" بالحرف "د"، وخدم في خلايا الهجوم التي تتابع العمليات وتوفر المعلومات للقوات الميدانية، إن معايير تحديد الأهداف وأساليب العمل تغيرت بشكل ملحوظ.
وتابع الجندي أن الجيش الإسرائيلي بات يستهدف حتى العناصر الأقل رتبة دون تمييز، متجاهلًا ما وصفه بـ"اقتصاد الذخيرة"، ووصل الأمر إلى استهداف سائقي حماس.
كما تظهر الشهادات، وفق التحقيق، تفاوتًا بين الأهمية العسكرية للأهداف وحجم القوة المستخدمة لاستهدافها، مقابل الخسائر المدنية المحتملة التي جرى قبولها لتنفيذ الهجمات.
هجوم جباليا واستهداف إبراهيم بياري
وفي سياق متصل، تناول التحقيق هجوم سلاح الجو الإسرائيلي على مخيم جباليا شمالي غزة في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، باستخدام قنابل ثقيلة لاستهداف إبراهيم بياري، الذي وصفه الجيش بأنه قائد كتيبة مركز جباليا في حماس وأحد المشاركين في هجوم 7 أكتوبر وإدارة المعارك شمالي القطاع.
وقال الجيش إن الهجوم قتل عناصر من الحركة وأدى إلى انهيار بنية تحت الأرض ومبانٍ مجاورة، مجددًا دعوته السكان إلى النزوح جنوبًا لحمايتهم.
إلا أن جنديين شاركا في الجانب الاستخباراتي للعملية قالا إن المعلومات لم تحدد بدقة المبنى الذي يوجد أسفله بياري، وإن القرار اتخذ بقصف عدة مبانٍ مأهولة فوق النفق، دون إخلائها، لضمان عدم فراره.
ولفت الجندي "أ" إلى أن تقديرات شعبة الاستخبارات للأضرار الجانبية تراوحت بين 250 و300 شخص، ما استدعى إحالة القرار إلى رئيس الأركان للمصادقة المباشرة.
وفي المقابل، قدر الجيش الخسائر المدنية المحتملة بأعداد أقل، لكنه أقر بأن الأضرار الفعلية تجاوزت التقديرات الأولية.

وأردف الجندي "أ" أن تقييم الأضرار بعد الهجوم استند، من بين مصادر أخرى، إلى بيانات حماس التي اعتبرها معقولة نسبيًا رغم عدم دقتها بالكامل.
وأضاف الجندي إنه مع مرور الوقت، وصلت التقديرات إلى نحو 250 قتيلًا، معربًا عن صدمته من تدمير مباني متجاورة ومأهولة ومقتل وإصابة المئات بهدف اغتيال قائد كتيبة لم يكن يعد، قبل أسابيع قليلة، هدفًا استخباراتيًا.
الجيش الإسرائيلي ينفي الموافقة على قتل مئات المدنيين
وتعليقًا على الشهادات، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن الهجوم أعيد التخطيط له عدة مرات لتقليل الخسائر المدنية، وإن التقديرات لم تصل إلى مئات الضحايا، مضيفًا أن التحقيق كشف وجود أنفاق لم يكن الجيش يعلم بها، وتسببت في انهيار مبانٍ إضافية.
وبدوره، انتقد نداف ويمان، المدير العام لمنظمة "كسر الصمت" الإسرائيلية، قبول مخاطر كبيرة على المدنيين مقابل استهداف عناصر محدودة الأهمية العسكرية، قائلًا: "لا يمكن السماح بالقتل المحتمل لـ300 مدني من أجل قائد كتيبة، أو قتل 20 مدنيًا مقابل كل سائق شاحنة في حماس"، مطالبًا بمحاسبة المسؤولين عن صياغة الأوامر بدلًا من تحميل الجنود مسؤولية كشف ما يحدث.
وأوضح الجندي "د" أن الضغط الميداني دفع إلى استهداف إبراهيم بياري، الذي قال إنه كان يراقب القوات الإسرائيلية ويقود عناصر تقاتل الجنود، مضيفًا أن القرار اتخذ باعتبار قتله ضرورة عاجلة لحماية القوات، رغم عدم توافر معلومات دقيقة عن موقعه، كما أكد أن المخاطر على المدنيين لم تحظَ بالنقاش الكافي.
وأضاف الجندي إن معاناته لا ترتبط بضربة بعينها، بل بتكرار الهجمات التي توقع خسائر جانبية بالعشرات وأحيانًا بالمئات، معتبرًا أن مشاركته في هذه المنظومة تثقل كاهله أكثر من مشاركته في هجوم محدد.
خلافات داخل غرف إدارة الضربات بشأن تصنيف الأهداف
ولفت التحقيق إلى خلافات أخلاقية داخل غرف إدارة الضربات وصلت إلى قيادات الوحدات.
ووفق إحدى الشهادات، طالب قائد وحدة الجنود باعتبار كل شخص ضمن الفئة المستهدفة "إرهابيًا"، وهدد بإقالة من يستخدم وصف "نهابون" أو يشكك في تصنيفهم أهدافًا.
وتابعت الشهادات أن هذه الخلافات تسببت في توترات بين القوات الميدانية وغرف إدارة الضربات، التي رفضت أحيانًا تنفيذ هجمات ضد أشخاص وصفوا بأنهم "نهّابون".
استئناف القتال في مارس 2025 وتراجع الثقة بالمهمة
بحسب التحقيق، شكل استئناف القتال في مارس/آذار 2025، بعد تعثر مفاوضات إطلاق سراح الرهائن، نقطة تحول مع بدء عملية "عربات جدعون".
وقال جنود إن غياب هدف استراتيجي واضح أضعف ثقتهم بالمهمة، وحوّل حماسهم الأولي إلى إحباط بسبب الموافقة على هجمات توقع خسائر بين عشرات المدنيين مقابل استهداف أشخاص محدودي الأهمية العسكرية.
شهادة جندي في وحدة الطائرات المسيّرة
كما روى الجندي "ب"، الذي خدم في وحدة الطائرات المسيّرة متعددة المراوح "كوادكوبتر"، أن طاقمه كُلّف باستهداف شخص محدود الأهمية العسكرية، شارك في اقتحام 7 أكتوبر 2023.
وأوضح أن الهدف رصد في حديقة برفقة عائلته، ما أثار نقاشًا داخل غرفة إدارة الضربة انتهى بإلغائها في اللحظة الأخيرة.
وتابع الجندي: "كان من الصعب علي تنفيذ هذه الضربة بينما العائلة هناك، ومع ذلك كان هناك من يعتقد أنه يجب قتله"، مضيفًا أن رؤية أب مع أسرته قبل لحظات من إطلاق النار أثرت فيه بشدة، وجعلته يشعر بأنهم يقتربون من "الحافة الأخلاقية" لقدرتهم على مواصلة العمليات.
رد الجيش الإسرائيلي
ومن جانبه، رفض المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ما ورد في التحقيق بشأن الموافقة على هجوم كان متوقعًا أن يقتل مئات المدنيين، ووصف الادعاء بأنه "كاذب وعارٍ عن الصحة تمامًا"، مؤكدًا عدم تنفيذ أي ضربة في غزة بناءً على توقعات بسقوط هذا العدد من الضحايا.
وأوضح "المتحدث" أن هجوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023 استهدف مركز قيادة لحماس في مخيم جباليا، ضم إبراهيم بياري وعناصر عسكرية أخرى، وأن التخطيط أعيد عدة مرات لتقليص الخسائر المدنية المتوقعة، التي قال إنها لم تصل إلى المئات.
واستطرد "المتحدث" أن تقارير لاحقة تحدثت عن أضرار تجاوزت التقديرات الأولية، دون أن يتحقق الجيش منها مستقلًا، مشيرًا إلى أن التحقيق كشف عن أنفاق غير معروفة تسببت في انهيار مبانٍ إضافية.
كما شدد "المتحدث" على أن التخطيط والموافقة على الهجمات يمران بمراحل متعددة تشمل الجهات الاستخباراتية والقانونية والعملياتية.
وشكك "المتحدث" في دقة شهادات الجنود، مرجحًا أن بعضهم اطلع على تقديرات أولية ولم يشارك في المراحل اللاحقة لتعديل الهجوم، التي قد تشمل تغيير السلاح والتوقيت ونطاق الاستهداف والاستفادة من معلومات إخلاء المدنيين.
وبشأن معايير الاستهداف، نفى "المتحدث" منح موافقات تلقائية لاستهداف فئات محددة وفق عدد ثابت من الضحايا المدنيين، مؤكدًا أن كل هجوم يخضع لتقييم فردي يقارن الخسائر المدنية المتوقعة بالفائدة العسكرية المباشرة والملموسة، وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، وأن هذه المعايير لم تتغير منذ بداية الحرب.
