الشتاء يقترب.. وخيام النازحين خارج حسابات الاستجابة!

صورة من Getty Images
صورة من Getty Images

غزة/ البوابة 24- نور محمد:

في خيمة أنهكتها الشمس والرياح، يقطن نهاد عايش وأسرته المكوّنة من خمسة أفراد. كل ما يتمناه اليوم أن يصمد السقف الذي يؤويه حتى يمر الشتاء.

بحي الصفطاوي شمالي قطاع غزة، يتفقد عايش خيمةً أقام فيها مع أسرته منذ نزوحهم، وقد بدت أجزاء منها مهترئة، وفتحت فيها الرياح والأشهر الطويلة ثقوبًا تسمح لمياه الأمطار بالتسلل إلى الداخل.

ومع اقتراب موسم الشتاء، يعرف الرجل أن المشكلة لم تعد في جودة الخيمة، بل في قدرتها على البقاء مأوى أصلًا.

يقول لـ"البوابة 24": "الخيمة ما زالت المأوى الوحيد لأسرتي، ولم أتمكن من الحصول على بديلة رغم تدهور حالتها". ويخشى عايش أن تصل مياه الأمطار إلى أماكن نومهم وتتلف ما تبقى من مقتنياتهم، فيما يحول ارتفاع أسعار الخيام وتراكم الاحتياجات الأساسية دون شراء واحدة جديدة.

قصة عايش ليست حالة معزولة، بل واحدة من ضمن آلاف الأسر التي تدخل الشتاء بخيام مستهلكة واحتياجات متراكمة، في وقت يعرف فيه العاملون في المخيمات والمؤسسات الإنسانية مسبقًا حجم الخطر.

في حي الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة، اختار وجيه فرينة، البالغ من العمر (45 عامًا)، ألا ينتظر خيمة جديدة. حاول أن يجعل خيمته القديمة أكثر قدرة على الصمود، فاشترى أخشابًا وشادرين وبعض مستلزمات التثبيت، وأنفق نحو 1200 شيكل، جمعها بمساعدة مالية من شقيقه المقيم خارج القطاع.

لكن تدعيم الخيمة لا يحتاج مجرد شراء شادر، فحتى لا تغرق، يحتاج فرينة إلى أخشاب وأسياخ ومسامير ومواد عزل وتثبيت، فضلًا عن معالجة الأرض المحيطة بها لمنع تجمع المياه.

ومع غياب فرص العمل والدخل المنتظم، تتحول كل قطعة خشب ومسمار ومادة عزل إلى عبء إضافي على أسرة تكافح أصلًا لتوفير الغذاء والماء وبقية احتياجاتها اليومية.

وهنا تتسع الفجوة: فالأسر مطالبة بتأمين مأواها من الأمطار، بينما ترتفع كلفة هذا المأوى، في الوقت الذي تقول فيه الجهات المحلية إن حجم الاحتياج يفوق ما يصل إليها من مساعدات.

وعود قبل الشتاء.. ومساعدات لم تصل

في مجموعة مخيمات أنصار جنوب مدينة غزة، يراقب مدير المخيمات بهاء النمس تدهور الخيام من موقعه بين نحو 20 مخيمًا تضم قرابة 4800 أسرة.

ويقول: "إن معظم الخيام باتت مهترئة وغير صالحة بالشكل المطلوب للسكن، فيما تتفاوت أوضاع بعضها بين المتوسطة والسيئة".

ويعزو النمس جانبًا من هشاشة الخيام إلى تعرضها المستمر للرياح، خصوصًا أن موقع المخيمات القريب من الساحل يجعلها أكثر عرضة لتأثيرات الطقس.

لكن معرفة الاحتياج لم تكن كافية حتى الآن لتحويله إلى استجابة. يضيف النمس: "إدارة المخيمات تواصلت مع عدد من المؤسسات والجهات المعنية وناشدتها التدخل، إلا أن الاستجابة، حتى الآن، لم تتجاوز الوعود دون تنفيذ فعلي للمساعدات المطلوبة".

بل إن إحدى المؤسسات حضرت إلى المنطقة وعاينت أوضاع المخيمات على الأرض، وفق النمس، لكن المساعدة لم تصل حتى الآن، وسط حديث عن صعوبات مرتبطة بدخول المعونات عبر المعابر.

ولا يريد سكان المخيمات انتظار وقوع الضرر حتى تبدأ الاستجابة. يعقب النمس: "نحن لا نريد أن تتكرر مأساة السنة الماضية. نريد أن تصل المساعدة قبل أن تتفاقم الأوضاع، وليس بعد أن تغرق الخيام وتتضرر الأسر".

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، يحتاج 1.98 مليون شخص، أي نحو 94% من سكان غزة، إلى مساعدات الإيواء والمواد غير الغذائية، وفق تقييمات أُجريت بين 14 و28 يونيو/حزيران 2026، فيما يواجه 58% من السكان احتياجات إيواء حرجة أو كارثية.

ومع ذلك، لا تزال الاستجابة الميدانية متفاوتة بين منطقة وأخرى، وهو ما يظهر بوضوح في شهادات مسؤولي المخيمات.

في منطقة فلسطين بحي الرمال وسط مدينة غزة، يدير محمد اقطيفان تجمعًا يضم 18 مخيمًا ومركز إيواء وأكثر من 3500 أسرة، بينها نحو 1170 أسرة تقيم في المخيمات. ويقول: "أوضاع النازحين تزداد سوءًا مع اقتراب الشتاء، في ظل ضعف استجابة المؤسسات الإغاثية".

ينقل اقطيفان بصورة مستمرة معاناة النازحين واحتياجاتهم إلى المؤسسات والجمعيات والجهات المختصة، لكنه يرى أن تحسين ظروف المأوى لم يعد مطلبًا ثانويًا، بل ضرورة ملحة للأسر التي تعيش في الخيام ومراكز الإيواء والبيوت المتضررة والعشوائيات.

ويحذر من أمطار ورياح قد تؤدي إلى غرق الخيام وطفح مياه الصرف الصحي والسيول، وما يرافق ذلك من فقدان للأمان وتعطيل للحركة، خصوصًا للأطفال وكبار السن والمرضى.

لكن ما يثير المساءلة أكثر هو طبيعة الاستجابة نفسها. يتابع اقطيفان: "بعض المؤسسات أبلغتنا بأنها لا تستطيع التدخل إلا عند حدوث كارثة"، عادًا هذا الرد بحد ذاته كارثة؛ "لأن المطلوب هو الاستعداد المسبق، لا انتظار وقوع الضرر"، موضحًا أن الوقاية أقل كلفة من الاستجابة بعد الكارثة.

ويكمل: "عدد محدود من المؤسسات المحلية والدولية بدأ بالفعل التحرك بعد تلقي المناشدات، عبر تقييم المآوي الأكثر احتياجًا، وتحديد الخيام المهترئة والمباني التي تحتاج إلى شوادر، إلى جانب إعداد تدخلات للإجلاء الآمن للأسر المقيمة في مبانٍ آيلة للسقوط".

لكن هذه التحركات، لا تزال دون حجم الحاجة -برأي اقطيفان- إذ تراجعت واردات مستلزمات الإيواء إلى نحو 10% مقارنة بالعام السابق. لذلك يدعو المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية إلى تجاوز الوعود والتحرك العاجل قبل وقوع كارثة يمكن تفاديها.

60% من المخيمات لا تصلح للعيش

ولا تأتي هذه الشهادات من المخيمات وحدها. فبيانات وزارة التنمية الاجتماعية في غزة ترسم صورة أوسع لحجم المسؤولية القائمة أمام الجهات المعنية بالإيواء.

تقول المتحدثة باسم الوزارة، عزيزة الكحلوت: "عدد مراكز الإيواء المسجلة لدى الوزارة بلغ نحو 2090 مركزًا في محافظات القطاع، تضم قرابة مليون و22 ألف فلسطيني يعيشون داخل خيام مهترئة لا تصلح للعيش الآدمي".

وتوضح لـ "البوابة 24" أن فرق الوزارة الميدانية رصدت أوضاع المخيمات وأطلقت حملة "خيام في مهب الريح"، مطالبة المؤسسات والجهات ذات العلاقة بالإسراع في إنقاذ مراكز الإيواء قبل الشتاء، خصوصًا أن 60% من المخيمات لا تصلح للعيش وتفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.

وتشمل قائمة الاحتياجات التي رصدتها الوزارة الملابس والأغطية والفرشات والحرامات والخيام ووسائل التدفئة، إلى جانب احتياجات الأطفال وكبار السن والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة.

وتزيد: "طالبنا بفتح ممر خاص لإدخال الكرفانات والخيام، بعدما أظهر الحصر حاجة القطاع إلى نحو 200 ألف خيمة و300 ألف شادر".

وتنفذ فرق الوزارة -وفق الكحلوت- زيارات ميدانية إلى مراكز الإيواء لدراسة أوضاع العائلات وتقييم الموجود لديها وتحديد احتياجاتها الفعلية، لكن ثمة حدًا واضحًا لما تستطيع الوزارة القيام به، فهي -كما تؤكد- لا تدخل إليها المساعدات بشكل مباشر، وإنما تعتمد على التعاون مع المؤسسات والجهات الأخرى لتوفيرها.

وهنا تظهر حلقة أخرى في سلسلة المسؤولية: الوزارة ترصد الاحتياج وتحدد الأعداد، لكن توفير المواد نفسها يقع في مساحة تتقاطع فيها جهات حكومية وإغاثية وآليات إدخال المساعدات.

من يملك المساعدة.. ومن يملك قرار وصولها؟

من جانبها، تؤكد اللجنة المصرية في قطاع غزة أنها تتحرك في هذه المساحة. ويوضح المتحدث الإعلامي باسمها محمد منصور أن اللجنة تتابع ميدانيًا وبشكل مستمر احتياجات المواطنين في مختلف مناطق القطاع، عبر فرق طوارئ تعمل على مدار الساعة، خصوصًا مع اقتراب الشتاء.

ويشير منصور إلى أن اللجنة أطلقت عدة حملات لإغاثة النازحين، من بينها حملة "قلوب تتخطى الحدود"، التي وصلت إلى مناطق مختلفة من أقصى جنوب رفح إلى أقصى شمال القطاع. كما دخلت إلى غزة قافلة مساعدات من جمهورية مصر العربية محملة بالخيام، ضمن جهود توفير المأوى للأسر الأكثر احتياجًا.

ويقول: "اختيار المستفيدين يعتمد على حجم الاحتياج وأوضاع الأسر، مع إعطاء الأولوية لمن يعيشون في خيام مهترئة وغير قادرين على مواجهة الأمطار والبرد". ووفق هذه المعايير، لا يمكن منح خيمة لمن يعيش في منزل صالح للسكن، أو استبدال خيمة في مخيم إلا إذا كانت حالتها تستدعي ذلك.

لكن اللجنة نفسها تواجه قيودًا تحد من قدرتها على سد الفجوة. يعدد منصور أبرزها في الاستهدافات الإسرائيلية وما تفرضه من مخاطر على الفرق الميدانية، وعرقلة الاحتلال وتأخير دخول المساعدات، ونقص السولار وعدم توفر بعض المواد اللازمة للمركبات، إلى جانب حقيقة أن حجم الاحتياجات يفوق بكثير كميات المساعدات التي تدخل القطاع.

ومع ذلك، ينبه منصور إلى إن اللجنة وضعت منذ نحو 90 يومًا خطط الطوارئ واستعدت لاستبدال الخيام المهترئة، وبدأت فرقها بالفعل في جنوب القطاع بتركيب خيام جديدة، على أن تتولى الفرق تركيبها بدلًا من تسليمها للمواطنين، للحد من بيع الخيام والشوادر وضمان وصولها إلى الأسر المستحقة وحمايتها من الأمطار والبرد.

أما جمعية المقاصد الخيرية في قطاع غزة، فتقدم صورة أخرى عن العلاقة بين توفر المساعدات ووصولها إلى مستحقيها. يقول مديرها، محمد شامية لـ"البوابة 24": "دفعة كبيرة من الشوادر دخلت ضمن المساعدات، لكنها لم توزع حتى الآن، فيما تمتلك الجمعية نحو 204 شوادر يجري توزيعها وفق درجة الحاجة، مع إعطاء الأولوية للخيام الأكثر هشاشة وتضررًا".

ويؤكد شامية أن الاحتياجات تفوق الكميات المتوفرة، وأن استمرار الأزمة يرتبط بانتظار دخول مزيد من المساعدات عبر المعابر، رغم وجود كميات جاهزة للإدخال.

وتستجيب الجمعية، وفق شامية، للمناشدات مباشرة، إذ تتوجه فرقها إلى المخيمات وتجمعات النازحين لتقييم الاحتياجات، بما يشمل الأسر المقيمة خارج المخيمات وفي الأراضي المفتوحة.

كما وضعت خطة طوارئ للشتاء بهدف تغطية أكبر عدد ممكن من الأسر، خصوصًا في ظل الحاجة الكبيرة إلى الأغطية والمستلزمات الأساسية، وتنسق مع وزارة التنمية الاجتماعية في غزة ووزارة الدولة لشؤون الإغاثة في رام الله، اللتين أعدتا إحصاءات لاحتياجات سكان القطاع.

حين يصبح المأوى سلعة مرتفعة الكلفة

لكن حتى حين تصل المساعدة، لا تنتهي المشكلة عند الخيمة أو الشادر، فالأسر التي لا تحصل على خيمة جديدة تضطر إلى ترميم ما لديها، فيما ترتفع كلفة المواد التي تحتاج إليها للبقاء تحت سقف من القماش.

ويقول المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر: "إن الحرب أعادت ترتيب أولويات الأسر، فأصبحت احتياجات أساسية مثل التعليم والإيواء تتراجع أحيانًا أمام البحث عن الغذاء والمياه وسد جوع الأطفال، لكن الشتاء يعيد الإيواء إلى مقدمة الاحتياجات الملحة".

ويشير أبو قمر إلى أن مستلزمات الإيواء أصبحت من أكثر السلع طلبًا خلال السنوات الثلاث الماضية، في ظل القيود المفروضة على إدخال الشوادر والخيام والأخشاب، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وتحولها إلى تجارة مربحة من دون ضبط فعال للأسعار، وفق قوله.

وتكشف الأسعار التي أوردها عن كلفة متصاعدة للاستعداد للشتاء؛ فقد ارتفع سعر الشادر من 130 إلى 170 شيكلًا، وتصل الأنواع الأكبر إلى نحو 230 شيكلًا، فيما ارتفع سعر الخيمة من 1300 إلى 1700 شيكل. ويبلغ سعر متر خشب "المشطاح" نحو 10 شواكل، والمسمار شيكلًا واحدًا، ومتر أسياخ البناء نحو 5 شواكل، بينما ارتفع سعر متر سلك الربط من شيكل إلى 4 شواكل.

ولا تتوقف الكلفة عند شراء خيمة جديدة، فالأسر التي لا تملك ثمنها تضطر إلى ترميم الخيام القديمة وتدعيمها بالأخشاب والشوادر والأسياخ والمسامير وأسلاك الربط، في وقت تتنافس فيه هذه النفقات مع تكاليف الغذاء والمياه والعلاج.

ويحذر أبو قمر من أن استمرار الوضع الحالي مع اشتداد الأمطار قد يؤدي إلى كارثة، في ظل تعرض النازحين للغرق والأمراض، مع تضرر البنية التحتية وغياب الصرف الصحي الملائم.

ويدعو الجهات الحكومية إلى ضبط أسعار مستلزمات الإيواء ومنع تحولها إلى سوق سوداء، كما ينتقد تقصير المؤسسات الإغاثية في توفير هذه المواد، مطالبًا بإدخال الشوادر والخيام والأخشاب قبل اشتداد الأمطار خلال الشهرين المقبلين.

وهكذا، لا تبدو أزمة الشتاء في غزة مفاجأة تنتظرها الجهات المعنية كي تتعامل معها، بل خطرًا معروفًا سلفًا، له أرقام محددة، واحتياجات جرى حصرها، ومخيمات جرى تقييمها، ومناشدات وصلت إلى مؤسسات وجهات متعددة.

وبين هذه الأطراف جميعًا، يبقى النازح هو من يدفع ثمن الفجوة، بخيمة مهترئة، أو شادر مرتفع الثمن، أو انتظار مساعدة يعرف مسبقًا أنها قد لا تصل قبل المطر.

البوابة 24