غزة/ البوابة 24- دعاء شاهين:
قبل ثلاثة أعوام، وفي مثل هذا الوقت تحديدًا، كانت الطفلة جود حلبية (9 أعوام) تذهب إلى مدرستها الحكومية المجانية، مرتدية زيها المدرسي وحاملة مستلزماتها، لتقضي يومها بين صفوف منتظمة ومعلمات وزميلات اعتادت عليهن. لكن الحرب دمّرت مدرستها، وحالت دون عودتها إلى مقاعد الدراسة فيها.
وبعد انقطاعها عن التعليم بسبب الحرب، أرسلتها والدتها إلى نقطة تعليمية أُقيمت داخل خيمة في مخيم الشاطئ، غربي مدينة غزة، في محاولة لتوفير بديل للأطفال الذين فقدوا مدارسهم.
وتقول والدتها، ضحى حلبية، إن النقطة التعليمية وفرت بديلًا عن المدرسة، لكنها لا توفر البيئة التعليمية التي اعتادت عليها ابنتها؛ إذ يتكدس الأطفال داخل المكان، ولا تحظى جود، بحسب قولها، بمتابعة كافية من المعلمات، كما تفتقر إلى كثير من المستلزمات التي كانت ترافقها إلى المدرسة.
وتضيف أن ما يحصل عليه الأطفال من طعام محدود وغير منتظم، إذ تحصل جود أحيانًا على أكياس من الشيبس مجانًا، مرة أو مرتين أسبوعيًا فقط. ورغم ذلك، تفضّل استمرار ابنتها في التعلم على بقائها في المنزل، حيث تقضي وقتها في تعبئة جالونات المياه واللعب بين الركام.
وتوضح ضحى أن النقطة التي التحقت بها جود نقطة تعليمية خاصة، وأن الأهالي أُبلغوا في الآونة الأخيرة بضرورة دفع نحو 200 شيقل شهريًا مقابل استمرار أبنائهم في التعلم. وبالنسبة إلى ضحى، التي اعتادت أن تتلقى ابنتها تعليمها مجانًا في مدرسة حكومية قبل الحرب، يمثّل هذا المبلغ عبئًا يفوق قدرة الأسرة على تحمّله.
وتشكو ضحى من صعوبة الأوضاع الاقتصادية مع بداية العام الدراسي، إذ لا تستطيع توفير القرطاسية والحقائب المدرسية لأطفالها، ولا حتى المصروف اليومي لهم.
ولم تكن جود وحدها التي انتقلت من المدرسة إلى نقطة تعليمية؛ فمع تدمير المدارس وتحول بعضها إلى مراكز إيواء للنازحين وتعطل التعليم الوجاهي، انتشرت هذه المساحات في أنحاء قطاع غزة بوصفها حلًا طارئًا لإبقاء الأطفال على صلة بالتعلم. لكن مع إطالة أمد الحرب، يبدو أن هذه البدائل المؤقتة أخذت تتحول إلى واقع مستمر.
في سبتمبر 2026، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، مع انطلاق العام الدراسي 2026/2027، أنها تسعى إلى توفير نحو 700 نقطة تعليمية في قطاع غزة، ضمن منظومة تعليمية يستفيد منها نحو 541 ألف طالب وطالبة، بينهم نحو 100 ألف في مدارس «أونروا»، وفق بيانات الوزارة.
وفي السياق ذاته، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة (أوتشا)، في تقرير نشره في 25 سبتمبر/أيلول 2026، بأن نحو 495 ألف طفل في سن ما قبل المدرسة والسن المدرسية ملتحقون بمساحات تعلم تدعمها الأمم المتحدة وشركاؤها، فيما قُدّر عدد الأطفال الذين لا يزالون خارج أي شكل من أشكال التعلم المنظم بنحو 200 ألف طفل. وتعكس هذه البيانات استمرار الحاجة إلى بدائل تعليمية في ظل تعطل المدارس، لكنها تستند إلى نطاقات حصر مختلفة، ولا تسمح بالمقارنة المباشرة بين أعداد المستفيدين في المصدرين.
وتتباين طبيعة هذه المساحات التعليمية؛ فمنها نقاط مجانية تتبع وزارة التربية والتعليم أو تدعمها جهات مانحة، ومنها ما نشأ بمبادرات عائلية أو فردية، فيما اتخذ بعضها طابعًا خاصًا وبدأ تقديم خدمات تعليمية مقابل رسوم.
لكن تجارب الطلبة داخل هذه المساحات لا تتشابه بالضرورة، إذ يواجهون تحديات تتعلق بعدد الحصص، واستقرار المعلمين، واكتظاظ الصفوف، وقدرة هذه المساحات على تعويض الفاقد التعليمي.
تقول بلسم عايش (35 عامًا)، التي أرسلت طفلها إلى نقطة تعليمية بعد توقف مدرسته، إن أكثر ما يقلقها هو عدم استقرار العملية التعليمية؛ إذ يتغير المعلمون من فترة إلى أخرى، ويزداد عدد الأطفال في الصف الواحد، فيما لا تتوفر دائمًا المساحة أو الأدوات اللازمة لتقديم تعليم يماثل ما كان يتلقاه طفلها في المدرسة قبل الحرب.
وتوضح بلسم أن طفلها يزن، الذي يدرس في الصف الرابع، يستفيد من التحاقه بالنقطة التعليمية مقارنة ببقائه في المنزل، لكنه لا يزال يواجه صعوبة في تعويض ما فاته خلال سنوات انقطاع التعليم. لذلك، تتابع دروسه في المنزل وتحاول سد الفجوات التي تلاحظها في مهارات القراءة والكتابة والرياضيات.
وتعرب بلسم عن استيائها مما تراه توجهًا لدى بعض النقاط التعليمية نحو تحقيق الربح، بعدما كان التعليم الحكومي في غزة مجانيًا. وتقول إن الأهالي يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة: إما إرسال أطفالهم إلى هذه المساحات، سواء كانت مجانية أو تفرض رسومًا، أو إبقاؤهم خارج العملية التعليمية إلى حين عودة المدارس.
وترى بلسم أن استمرار النقاط التعليمية ضروري في ظل الظروف الحالية، لكنه لا يكفي وحده؛ فالأطفال يحتاجون إلى تعليم منتظم ومستقر، وبيئة تعليمية تساعدهم على تعويض ما فاتهم، لا مجرد مكان يقضون فيه ساعات النهار.
وتعكس بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في 30 أبريل 2026 حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع التعليمي في غزة؛ إذ تضررت نحو 98% من مباني المدارس، فيما تحتاج أكثر من 93% من المدارس إلى إعادة تأهيل أو إعادة إعمار كاملة.
وفي ظل هذا الدمار، تكشف تجربة مدرسة خاصة تحولت خلال الحرب إلى نقطة تعليمية جانبًا آخر من واقع التعليم المؤقت في غزة، يتمثل في التكاليف التي تتحملها المؤسسات التعليمية لمواصلة تقديم الدروس في ظل غياب المدارس.
تقول سوسن حمد (29 عامًا)، وهي معلمة لغة إنجليزية في المدرسة، إن المؤسسة كانت تعمل قبل الحرب داخل مبنى مدرسي، لكن تدميره دفعها إلى مواصلة تقديم الدروس داخل خيمة، ضمن الإمكانات المتاحة.
وتوضح المعلمة أن الرسوم التي يدفعها الأهالي تُسهم في تغطية النفقات التشغيلية للمؤسسة، بما يشمل أجور المعلمين، وتجهيز الخيمة، وتوفير القرطاسية والمواد والوسائل التعليمية.
وتضيف أن هذه التكاليف ارتفعت في ظل الظروف الحالية، إذ لا يقتصر توفير التعليم على دفع أجور الكادر، بل يشمل أيضًا تأمين مساحة مناسبة نسبيًا للتعلم وتوفير مستلزماته الأساسية.
لكن استمرار التعليم بهذه الصورة يضع الأسر أمام تحدٍّ متزايد، يتمثل في الموازنة بين حاجتها إلى تعليم أطفالها وقدرتها على تحمّل تكاليفه. وتقرّ المعلمة بأن الرسوم قد تشكّل عبئًا على بعض العائلات، لكنها ترى أن مواصلة الدروس، حتى داخل مساحة مؤقتة، تمنح الأطفال فرصة للحفاظ على صلتهم بالتعلم بدلًا من الانقطاع عنه تمامًا.
ومع ذلك، لا ترى المعلمة أن هذه النقاط تمثل بديلًا مستدامًا عن المدارس؛ إذ يظل التعليم الوجاهي داخل مدرسة مجهزة، في رأيها، الخيار الأفضل للأطفال، فيما تبقى المساحات المؤقتة حلًا فرضته الحرب إلى حين استعادة المؤسسات التعليمية قدرتها على العمل.
وبين الحاجة إلى استمرار التعليم ومحدودية الموارد، تبرز تساؤلات بشأن قدرة هذه المساحات المؤقتة على مواصلة أداء دور المدرسة، وإمكانية إعادة فتح المدارس المستخدمة مراكزَ إيواء للنازحين، ومدى رقابة وزارة التربية والتعليم على أداء النقاط التعليمية.
وفي مواجهة هذه التحديات، يصف منير زعيتر، مدير التربية والتعليم شرق غزة، واقع التعليم بعد ثلاث سنوات من الحرب بأنه بالغ الصعوبة. ويشير إلى أن الوزارة واجهت تحديات كبيرة في استئناف العملية التعليمية، لكنها تسعى، رغم محدودية الإمكانات، إلى توفير بدائل تضمن استمرار تعلم الأطفال وتعويض ما فاتهم خلال سنوات انقطاعهم عن المدارس.
وأوضح زعيتر أن العام الدراسي 2026/2027 انطلق في قطاع غزة عبر مسارات تعليمية متعددة، جرى تحديدها وفقًا للواقع التعليمي والإمكانات المتاحة، بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الطلبة في ظل الظروف الراهنة.
ويشير زعيتر إلى أن الوزارة تعمل حاليًا بنظام التعليم السداسي، بحيث تستقبل المدرسة الواحدة الطلبة على ست فترات: ثلاث للطالبات وثلاث للطلاب، لتؤدي بذلك دور ست مدارس، في ظل فقدان عدد كبير من المباني المدرسية. ويؤكد أن هذا الواقع يجعل الاستفادة من كل غرفة صفية ضرورة ملحّة، خصوصًا مع استمرار وجود نازحين في عدد من المدارس.
ويضيف زعيتر أن الوزارة لا تستطيع إخلاء المدارس المستخدمة مراكزَ إيواء للنازحين، في ظل فقدان كثير من الأسر منازلها وعدم توافر بدائل مناسبة لإيوائها. ويرى أن معالجة هذه المشكلة تتطلب التعاون مع المؤسسات المانحة لإعادة تأهيل المدارس المتضررة، بالتوازي مع توفير أماكن بديلة للأسر التي لا تزال بلا مأوى.
وفيما يتعلق بالنقاط التعليمية، يوضح زعيتر أنها تتنوع بين نقاط تشرف عليها الوزارة وتعمل بكوادر تابعة لها، ومدارس خاصة كانت قائمة قبل الحرب، وأخرى نشأت بمبادرات فردية. ويؤكد أن هذه النقاط تعمل، بحسب قوله، تحت إشراف الوزارة وبعد الحصول على التراخيص اللازمة. ولم تتوفر لمعدّ التقرير أرقام رسمية عن عدد النقاط التعليمية المرخصة، ولا عن عدد الزيارات الرقابية التي نفذتها الوزارة عليها منذ بداية العام الدراسي.
وبحسب زعيتر، تتابع الوزارة أداء هذه النقاط للتأكد من توفير مستوى مناسب من التعليم، مشيرًا إلى أن تدريس المنهاج الفلسطيني يُعد أحد المعايير الأساسية. وفيما يتعلق بالرسوم، يوضح أن بعض النقاط الخاصة تفرض مبالغ مالية لتغطية تكاليف تشغيلها، كما كانت تفعل المدارس الخاصة قبل الحرب، في حين تقدم نقاط أخرى التعليم مجانًا، بما يتيح للأسر اختيار البديل المتاح وفقًا لقدرتها المالية.
ويؤكد زعيتر أن الوزارة تسعى في المرحلة الحالية إلى تقليص الفاقد التعليمي المتراكم خلال سنوات الحرب، والحيلولة دون تحول انقطاع الأطفال عن المدارس إلى حرمان طويل الأمد من التعليم.
وبين مدارس دُمّرت أو تعطلت، ونقاط تعليمية تحاول سد جزء من الفراغ، ورسوم تثقل كاهل بعض الأسر، يبقى مستقبل التعليم في غزة مرهونًا بقدرة الجهات المعنية على تجاوز الحلول الطارئة، واستعادة المدارس دورها في توفير تعليم منتظم ومستقر للأطفال.
