محمد سعد العجلة:
في مثل يوم أمس، قبل ثلاث سنوات —في الثالث عشر من أكتوبر عام 2023—انكسر الوجود في غزة، وهوت السماءُ على الأرض. كان يوم جمعة، يوافق اليوم السابع من حرب متوحشة لا تبقي ولا تذر. ستة أيام سبقت ذلك اليوم، كانت كافية ليغرق القطاع في دمه، حاصداً أرواح نحو ألف وخمسمائة شهيد، وآلاف الجرحى الذين تركوا تحت رحمة رعاية طبية محدودة ومرتبكة في ظل ضغوط وفوضى عمت المستشفيات، فيما تحولت الطرقات والمنازل إلى مقابر مفتوحة، والناس يفرون من موتٍ متربص إلى موتٍ مجاور، يسيطر عليهم الخوف، ويعصر أرواحهم الترقب المُر.
وفيما كانت القلوب قد بلغت الحناجر، جاء الفجر بنبأٍ كالصاعقة؛ اتصالاتٌ مخيفة من هاتف الموت، تأمر نحو مليون شخص أن يخلعوا قلوبهم من ديارهم، وأن يخلوا الشطر الشمالي لقطاع غزة بكامله، ويتوجهوا نحو الجنوب وتحديدا من وادي غزة حتى رفح، عبر شارع صلاح الدين.
يا إلهي.. أهذا كابوسٌ يعصر الأرواح، أم أن القيامة قد قامت بالفعل؟
كيف لأناس يرتجفون تحت وابل النار، وقُطعت عنهم أسباب الحياة والاتصال، أن يستوعبوا هول القرار؟ ما معنى أن تُفرَغ المدن من أنفاس سكانها، وأن يسلخ مئات الآلاف من ذاكرتهم وبيوتهم في لمحة عين؟ وإذا اختار الناس أن يتشبثوا بمنازلهم ويرفضوا الخروج، ماذا ستصنع بهم آلة الاحتلال العسكرية التي ما فتئت تقصف بكل وحشية المباني والعمارات والبيوت على رؤوس ساكنيها؟
كانت تلك هي المرة الأولى التي يُقضى فيها بإخلاء مدنٍ وأحياء كاملة تمهيدا لمحوها من خريطة الحياة: بيت حانون، بيت لاهيا، جباليا المعسكر وجباليا البلد، مخيم الشاطئ، الشيخ رضوان، النصر، الرمال، الشيخ عجلين، تل الهوى، الصبرة، الدرج، الزيتون، التفاح، والشجاعية.. مليون روح يُطلب منها أن تقتلع من جذورها وتغادر في ساعات! وما هي إلا سويعات حتى خنق التهديدُ الأنفاس، وتأكد الجميع تحت النار من جدية الأمر.. يا للهول!
كان القصف ينهال كالمطر، فلاذ الناس بالمستشفيات والمدارس وبعض المؤسسات، في انتظار مصيرهم؛ أيقتلون تحت سقوف منازلهم، أم يمضون في رحلة النزوح والمجهول؟ وأين يذهبون في الجنوب؟
لكن الموت لم يمهل أحداً؛ حزامٌ ناري يمزق الأجساد، يليه حزامٌ أعتى يخلع القلوب، والمستشفيات غصت بالشهداء المكدسين على الأرض، وبالجرحى الذين ينزفون حتى الموت، وبالنازحين المذهولين. لم يبقَ أمام الناس إلا أن يحملوا مرارتهم ويمضوا نحو المجهول.
وانطلق عشرات الآلاف يتدفقون في نهرٍ من الدموع عبر "شارع صلاح الدين"، الطريق الذي حدده الاحتلال ليسلكه النازحون. كانت مشاهد تفتت الصخر وتفجع القلب: شاحناتٌ مكدسة بالأطفال والنساء والشيوخ والشباب، وكاراتٌ تجرها حيوانات أرهقها طول الطريق، وحقائب حُشِرت فيها بضع ملابس وفتات ذكريات.
كان الموكب الحزين يزحف كالجنازة، والعيون المطفأة تتبادل نظرات الوداع والألم، والجميع يفتش في الهواتف العاجزة عن صوتِ قريبٍ أو صديق يطمئنهم، أن لهم مكانا يمكنهم النزوح إليه.
ولم يخطر ببال أحد في ذلك اليوم المشؤوم أن هذه الجمعة لم تكن إلا الفصل الأول من رواية العذاب، وأن هذا الرحيل القسري سيمتد شهورا طويلة بل سنواتٍ من الإبادة المباشرة.
واليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات كاملة على تلك الفجيعة، لم تعد غزة كما كانت. أضحت ركاماً يغطي المدى، وحُشر الناجون بأجسادهم دون أرواحهم في ثلث المساحة الضيقة التي تتقلص باستمرار مع زحف المكعبات الصفراء، ولا يزال ارتقاء الشهداء يتصدر نشرات الأخبار صباحا ومساء، ولا نزال نرتجف في انتظار المجهول، ودموعنا جفت، والقلب لم يعد يحتمل مزيدا من الفقد والوجع.
كاتب صحفي
