كشف تقرير أممي حديث عن حجم الخسائر الاقتصادية والإنسانية التي خلفها الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، مسلطا الضوء على تراجع غير مسبوق في اقتصاد قطاع غزة، واحتياجات ضخمة لإعادة الإعمار، إلى جانب تدهور قطاعات التعليم والصحة والأمن الغذائي، في أزمة مرشحة لترك آثارها على حياة الفلسطينيين لسنوات طويلة.
وبحسب التقرير الذي أعدته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، المعروفة باسم الإسكوا، فإن تداعيات الحرب تجاوزت الأضرار المباشرة لتصل إلى مسار التنمية البشرية والبنية الاقتصادية والاجتماعية، وسط تحذيرات من صعوبة التعافي دون تحرك دولي واسع ومستدام.
اقتصاد غزة يتراجع بنسبة 84 في المائة
أظهرت البيانات الواردة في التقرير انكماش اقتصاد قطاع غزة بنسبة 84 في المائة خلال عام 2025 مقارنة بعام 2023، في مؤشر على حجم التراجع الذي أصاب النشاط الاقتصادي ومصادر الدخل وفرص العمل.
وقدرت الوثيقة احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، وهو ما يعكس اتساع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمرافق العامة والقطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأشار التقرير، الذي رفعته الإسكوا إلى الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى أن التطورات التي شهدها القطاع أدت إلى تراجع التنمية البشرية بمقدار يعادل 77 عاما، بما يبرز صعوبة استعادة مستويات المعيشة والخدمات التي تضررت خلال الحرب.
المجاعة والبطالة تضاعفان معاناة الفلسطينيين
وثق التقرير تفاقم أزمة الأمن الغذائي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيرا إلى تأكيد حدوث مجاعة في أجزاء من قطاع غزة خلال عام 2025، في وقت حدد فيه النداء الإنساني العاجل لعام 2026 نحو ثلاثة ملايين فلسطيني بحاجة إلى مساعدات غذائية.

وتزامنت هذه الأوضاع مع ارتفاع معدل البطالة إلى 46 في المائة في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال عام 2025، بينما وصل المعدل في قطاع غزة إلى 78 في المائة، نتيجة الانكماش الاقتصادي وتعطل الأنشطة التجارية والإنتاجية وتراجع فرص العمل.
وتكشف هذه الأرقام عن أزمة معيشية واسعة، لا تقتصر على نقص الغذاء والمساعدات، بل تمتد إلى فقدان مصادر الدخل وتراجع قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، في ظل الأضرار التي أصابت مختلف جوانب الحياة الاقتصادية.
مئات الآلاف من الأطفال خارج التعليم
امتدت تداعيات الحرب إلى المنظومة التعليمية، إذ أشار التقرير إلى استمرار حرمان نحو 700 ألف طفل في سن الدراسة بقطاع غزة من التعليم النظامي، نتيجة الأضرار التي لحقت بالمدارس والمنشآت التعليمية والظروف التي حالت دون انتظام العملية الدراسية.
ويهدد استمرار هذا الوضع بتفاقم الفجوة التعليمية بين الأطفال، ويزيد من صعوبة تعويض ما فقدوه من سنوات الدراسة، خصوصا مع ارتباط عودة التعليم بتوفير المباني والتجهيزات والكوادر والظروف الملائمة للتعلم.
وفي القطاع الصحي، أوضحت البيانات أنه حتى يناير 2026 لم يكن يعمل، ولو بصورة جزئية، سوى 18 مستشفى من أصل 36، ما يعكس الضغوط الكبيرة التي تواجه المؤسسات الصحية وقدرتها المحدودة على تقديم الخدمات اللازمة للسكان.
النساء والفتيات في صدارة الخسائر الإنسانية
سلط التقرير الضوء على الأعباء التي تحملتها النساء والفتيات في قطاع غزة، مشيرا إلى مقتل أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى ديسمبر 2025، وفقا للبيانات التي أوردها.
ولفتت الوثيقة إلى تزايد المخاطر التي تواجه هذه الفئات نتيجة النزوح وانعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الصحية، إلى جانب العنف القائم على النوع الاجتماعي، في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
وتعكس هذه المعطيات اتساع نطاق الأزمة الإنسانية، التي لم تعد مرتبطة بالخسائر المباشرة فقط، بل تشمل أيضا الظروف المعيشية والصحية والاجتماعية التي تواجه الناجين والنازحين والأسر التي فقدت أفرادا من عائلاتها.
الاستيطان والهدم يواصلان الضغط على الضفة الغربية
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، رصد التقرير تصاعد الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية وعمليات هدم المنازل والتهجير والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين.
كما سجلت الوثيقة 2018 حادثة عنف ارتكبها مستوطنون وأسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات خلال الفترة التي يغطيها التقرير، الممتدة من الأول من أبريل 2025 إلى 31 مارس 2026.
وتطرقت البيانات إلى مخططات لبناء نحو 10 آلاف وحدة استيطانية أو الموافقة عليها في القدس الشرقية، إضافة إلى أكثر من 26 ألفا و640 وحدة في المنطقة ج من الضفة الغربية، في تطورات اعتبر التقرير أنها تزيد الضغوط على الفلسطينيين وتؤثر في ظروفهم المعيشية.
وتأتي هذه الأرقام في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وما يرتبط به من نزاعات على الأراضي وتقييد للحركة وتحديات تواجه المجتمعات الفلسطينية في الحفاظ على مساكنها ومصادر رزقها.
الجولان السوري المحتل ضمن التحذيرات الأممية
لم تقتصر المعطيات الواردة في التقرير على الأراضي الفلسطينية، بل تناولت أيضا الأوضاع في الجولان السوري المحتل، حيث وثقت استمرار توسيع المستوطنات الإسرائيلية وبناء وحدات جديدة ومصادرة أراض سورية.
وأشار التقرير إلى وجود نحو 31 ألف مستوطن إسرائيلي موزعين على قرابة 35 مستوطنة في الجولان، معتبرا أن الأنشطة الاستيطانية هناك تتعارض مع القانون الدولي.
ويأتي تناول الجولان ضمن تقييم أوسع للتداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للاحتلال، وانعكاساته على السكان والأراضي والموارد في المناطق المشمولة بالتقرير.
الأمم المتحدة تدعو إلى إنهاء الاحتلال وحل الدولتين
حذر الأمين العام للأمم المتحدة من الآثار طويلة الأمد للتطورات الميدانية والاقتصادية والإنسانية، مشددا على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة ومستدامة لتلبية احتياجات السكان، وتنفيذ وقف إطلاق النار بالكامل، واحترام قواعد القانون الدولي.
وأكد أن إنهاء الاحتلال يمثل ضرورة لتحقيق تسوية مستدامة، مشيرا إلى أن السلام الدائم والشامل لا يمكن الوصول إليه إلا عبر حل الدولتين من خلال المفاوضات.
وكان التقرير قد عرض على المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في 21 يوليو 2026، قبل تقديمه إلى الجمعية العامة، استنادا إلى قرارات أممية ومساهمات من هيئات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات دولية معنية بالأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري المحتل.
وتضع الأرقام الواردة في التقرير حجم التحديات أمام جهود التعافي وإعادة الإعمار، في وقت تتداخل فيه الخسائر الاقتصادية مع الأزمات الإنسانية والتعليمية والصحية، ما يجعل معالجة آثار الحرب مرتبطة بتوفير المساعدات الأساسية وإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية، إلى جانب التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الاحتلال وتفتح الطريق أمام سلام مستدام.
