غزة/ البوابة 24- إنعام فروانة:
على طرق أنهكتها الحرب، تتشبث نساء حوامل بمقاعد عربات «الجار والمجرور» وهي تتقاذفهن بين الحفر والمطبات. لا يملكن خيارًا آخر في ظل شحّ السيارات ودمار الطرق. من بين هؤلاء مريم، البالغة من العمر 25 عامًا، والتي فضّلت عدم ذكر اسم عائلتها؛ حملت بطفلها الأول بعد خمس سنوات من الانتظار، وكانت في شهرها الرابع حين اضطرت إلى قطع الطريق من دير البلح إلى تل الهوى على متن إحدى هذه العربات.
وحين اشتدت الآلام بعد وصولها، توجهت مريم إلى المستشفى، حيث علمت أن نبض الجنين قد توقف. وتقول إنها كانت قد أجرت فحصًا لدى طبيبتها قبل الرحلة بأسبوعين، أظهر أن النبض طبيعي وأن الحمل مستقر. وبعد فقدانه، أخبرت الطبيبة بتفاصيل الرحلة وما رافقها من اهتزازات وآلام، فأبلغتها، بحسب روايتها، بأنها استقبلت حالات أخرى لنساء فقدن حملهن في ظروف مشابهة.
ومريم ليست وحدها؛ هذه حال إيمان نور، البالغة من العمر 28 عامًا، التي واجهت رحلة شاقة خلال حملها الأول، في ظل النزوح. فمنذ أن علمت بحملها، كانت تحاول تجنب مغادرة مخيم حلاوة، بالقرب من جباليا والخط الأصفر، خشية مشقة الطريق وصعوبة العثور على وسيلة نقل. لكن بعض احتياجاتها كانت تفرض عليها الخروج، حتى لو كان ذلك يعني السير مسافات طويلة قبل الوصول إلى الطريق العام.
تروي إيمان أنها اضطرت في إحدى المرات إلى قطع مسافة طويلة سيرًا على الأقدام، قبل أن تجد عربة «الجار والمجرور» وسيلةً للوصول إلى وجهتها. كان الطريق مليئًا بالرمال والحفر والحجارة المكسرة، فيما جعلت الاهتزازات المتواصلة الرحلة أكثر مشقة. وعندما وصلت، كانت تعاني ألمًا شديدًا، لكنها اضطرت إلى العودة إلى المخيم بالعربة نفسها، في رحلة أخرى لم تكن أقل قسوة من سابقتها.
وخلال تلك الليلة، لاحظت إيمان نزول قطرات من الدم، ما دفعها إلى التوجه إلى المستشفى على الفور. كانت آنذاك في شهرها الثاني من الحمل، وتحمل جنينها الأول. استقبلها الأطباء في قسم الطوارئ، وأعطوها إبرًا لتثبيت الحمل، استمرت في أخذها يومين، قبل أن تفقد جنينها.
تقول إيمان إن فقدان حملها ترك أثرًا نفسيًا عميقًا فيها وفي زوجها، اللذين انتظرا قدوم طفلهما الأول وسط ظروف الحرب والنزوح. وتضيف أنها فقدت جنينها في يونيو الماضي، ولم يحدث حمل جديد منذ ذلك الحين، فيما لا يزال ألم التجربة يرافقها حتى اليوم.
وتثير هذه التجارب تساؤلات بشأن المخاطر الصحية المحتملة للتنقل على عربات تفتقر إلى وسائل التثبيت والحماية. ولا تقتصر المخاوف بشأن صحة الحوامل في قطاع غزة على الشهادات الفردية؛ إذ تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الواردة في تقرير الوضع الإنساني الصادر في 23 يوليو 2026، إلى تسجيل أكثر من 3950 حالة إجهاض بين يناير ويونيو 2026، وفق بيانات منصة «بيان» الإلكترونية التابعة لوزارة الصحة، التي تجمع معلومات من الشركاء المقدّمين لخدمات الصحة الإنجابية في القطاع.
وبحسب التقرير، بلغ معدل الإجهاض 208.5 حالة لكل 1000 ولادة حية، بزيادة قدرها 3.3 أضعاف مقارنة بالنصف الثاني من عام 2025، فيما سجل أبريل أعلى معدل، بلغ 377.3 حالة لكل 1000 ولادة حية. ووقعت نحو 74% من حالات فقدان الحمل خلال الأشهر الثلاثة الأولى، بينما عانت 57.1% من النساء الحوامل من فقر الدم، في مؤشرات تعكس تدهور الأوضاع الصحية والتغذوية للنساء في القطاع. غير أن هذه الأرقام تعبّر عن الوضع العام، ولا تفصّل أسباب حالات الإجهاض ولا تربطها بالتنقل أو بالرحلات الشاقة.
توضح الدكتورة نور أبو حليمة، أخصائية النساء والولادة في عيادة خاصة بغزة، أن التنقل المتكرر عبر الطرق الوعرة، وما يصاحبه من اهتزازات وصدمات قوية، قد يؤدي إلى آلام في أسفل الظهر والحوض، وتقلصات وانزعاج في البطن، فضلًا عن احتمال التعرض لإصابات نتيجة السقوط أو الصدمات المباشرة. وفي الحالات الشديدة، قد تتسبب الإصابات في مضاعفات خطرة، من بينها انفصال المشيمة، ما يستدعي تدخلًا طبيًا عاجلًا.
وتشير أبو حليمة إلى أن استخدام عربات «الجار والمجرور» لمسافات طويلة على طرق مليئة بالحفر والمطبات والمرتفعات والمنخفضات يزيد مشقة التنقل على الحوامل، خصوصًا في ظل غياب وسائل التثبيت والحماية. وقد ترفع الصدمات القوية مخاطر الإصابات والمضاعفات المرتبطة بالحمل، بما فيها الولادة المبكرة، لا سيما لدى النساء اللاتي يعانين من حمل عالي الخطورة أو تظهر لديهن أعراض مثل النزيف وتقلصات الرحم.
لكن العلاقة بين الرحلات الشاقة وفقدان الحمل ليست محسومة بمجرد تزامن الحدثين. وتؤكد أبو حليمة أن حدوث الإجهاض بعد رحلة مرهقة لا يعني بالضرورة أن الرحلة كانت السبب المباشر، إذ تتعدد الأسباب الطبية التي قد تؤدي إلى فقدان الحمل. ويعتمد التقييم على توقيت ظهور الأعراض، وطبيعة الصدمات التي تعرضت لها الحامل وشدتها ومدتها، إلى جانب الفحص الطبي والمعطيات الخاصة بكل حالة.
وتشدد أبو حليمة على ضرورة التوجه إلى المستشفى فور ظهور أعراض تستدعي التقييم العاجل، من بينها النزيف، أو الألم الشديد والمستمر في البطن أو الظهر، أو التقلصات المنتظمة، أو نزول السوائل، أو التعرض لصدمة مباشرة في البطن نتيجة سقوط أو حادث.
وفي مخيم حلاوة، لا تزال إيمان تقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام قبل أن تصل إلى الطريق العام وتجد وسيلة تقلّها. وبين مريم وإيمان وغيرهما من الحوامل، تبقى الحاجة قائمة إلى وسيلة نقل أكثر أمانًا من عربة تجرّها مركبة على طريق مليء بالحفر. ولا تدّعي هذه الشهادات أن الرحلة كانت السبب وراء ما جرى، فالأطباء أنفسهم يحذّرون من الجزم بذلك، لكنها تكشف أن الوصول إلى الرعاية والمستلزمات اليومية صار محفوفًا بالمخاطر لمن لا بديل أمامها.
