حين يصبح التمثيل استدعاءً للوجع.. فنانو غزة على الخشبة من جديد

غزة/ البوابة 24- سماح شاهين:

«لا نريد أن نموت وتنتهي قصصنا».. بهذه الجملة تختصر المخرجة هناء الغول سبب إصرار فنانين في غزة على العودة إلى الخشبة، ولو اضطروا إلى الوقوف في الشارع. فبعد تدمير المسارح وغياب أماكن التدريب، لم يعد المسرح مبنى بل حكاية تبحث عن جمهور.

وبين مراكز الإيواء ومخيمات النزوح والفضاءات المفتوحة، وصولًا إلى أماكن تحيط بها آثار الدمار، تحوّلت الخشبة من منصة للعرض إلى مساحة للبقاء، ووسيلة لإعادة بناء ما هُدم، لا بالحجر، بل بالفن والجسد والصوت والحكاية. ويواصل الفنانون محاولاتهم لإعادة الحياة إلى المشهد الثقافي، مؤمنين بأن المسرح ليس رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل حاجة إنسانية ونفسية ملحّة.

ولم يكن  خسارةً لأماكن مخصصة للفن فحسب، بل فقدانًا لمساحات اعتاد الناس الاجتماع فيها للتعبير عن أنفسهم ومشاركة حكاياتهم. وكانت وزارة الثقافة الفلسطينية قد أعلنت في فبراير/شباط 2024، أي في مرحلة مبكرة من الحرب، تضرر عشرات المراكز والمؤسسات الثقافية في القطاع، بينها مركز رشاد الشوا الثقافي في حي الرمال بمدينة غزة، الذي تأسس عام 1985 ويضم مسرحًا.

f8b6971a-e732-4419-be91-8acf6456803b.jfif
 

وثيقة حية للتجربة الفلسطينية

يقول الفنان تامر نجم إن المسرح يمكّن من تقديم صورة أكثر اكتمالًا عن الإنسان الفلسطيني الذي لا تقتصر حياته على المعاناة والخسارة، بل يحمل أيضًا أحلامه وذكرياته ومشاعر الحب والأمل. ويوضح لـ«البوابة 24» أن المسرح وثيقة حية للتجربة، إذ يستطيع الاقتراب من الآثار النفسية والوجدانية للحرب واستحضار تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا تظهر في التغطيات الإخبارية، لتبقى جزءًا من الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة.

ويشير إلى أن تجارب الفقد والنزوح انعكست مباشرةً على النصوص وطبيعة الأداء، فالفنان الذي يجسد شخصية تعيش الخوف أو النزوح قد يستند إلى تجربة عاشها بنفسه أو شهدها في محيطه، ما يقرّب الشخصيات من واقع الجمهور. ويلفت إلى حضور الواقعية والتكثيف في النصوص، عبر الحوار المباشر والمونولوجات المستمدة من الحياة اليومية، وتوظيف الأداء الجسدي للتعبير عن التعب والخوف ومحاولات النجاة، في مشاهد قد لا تكفي الكلمات وحدها لنقل دلالاتها.

93dd9889-9ece-4c70-9393-5db4ec610636.jfif
 

ويرى أن معالجة المعاناة لا ينبغي أن تقوم على إعادة عرض الألم لمجرد التأثير، بل على لغة فنية تمنح الجمهور فرصة التعبير عن مشاعره دون مزيد من الضغط النفسي، مع موازنة قسوة الواقع بجرعات من الأمل. ومن ذلك الفكاهة، بما فيها السوداء التي تظهر في الحياة اليومية للغزيين، فهي، وفق قوله، جانب من تعاملهم مع الألم، إذ لا تقتصر تجربة الحرب على الحزن، بل تشمل لحظات الضحك والتواصل والرغبة في مواصلة الحياة.

ويعتقد نجم أن عودة العروض تتجاوز استئناف النشاط الفني إلى محاولة استعادة منابر التعبير والتواصل، موضحًا أن أهمية المسرح لا ترتبط بخشبة مجهزة أو مبنى مخصص، فيمكن تقديمه في أي مكان بديل ما دام يجمع الفنانين والجمهور حول حكاية تعكس تجاربهم. ويضيف أن استمرار العمل المسرحي يسمح برواية التجربة بأصوات أصحابها، بحيث لا تقتصر الصورة على الدمار والخسائر، بل تشمل قصص الناس ومحاولاتهم الحفاظ على إنسانيتهم وكرامتهم.

86e93ffb-f700-473a-bc29-30bf3251c720.jfif
 

حين تستدعي الخشبة الوجع

تقول الفنانة إيمان عودة إن المسرح كان قبل الحرب فضاءً لتقديم الأعمال بصورة دورية، لكن تدمير المسارح جعل العثور على مكان مناسب للوقوف أمام الجمهور تحديًا بحد ذاته. ورغم القصف والظروف الصعبة، حاولت وزملاؤها استئناف نشاطهم، فالمسرح بالنسبة إليهم وسيلة للتعبير عن واقعهم، وهو بالنسبة إليها، كما تقول لـ«البوابة 24»، ليس مجرد تمثيل بل حياة تُقدَّم في قالب فني يصل إلى الجمهور. وبعد ثلاث سنوات من الحرب، تمكنوا من الوقوف مجددًا على الخشبة رغم صعوبات التدريب وغياب مكان مناسب للتدريبات، وقدّموا عملًا تناول الحرب والحصار في غزة وما خلّفاه من معاناة إنسانية.

ولم تنفصل عودتها إلى التمثيل عن تجربتها القاسية في الحرب، فقد فقدت والدها، وعادت إلى الخشبة وهي تحمل آثار الفقد والخوف، في محاولة للتعافي من صدماتها. وتقول إن القصص التي قدمتها كانت قريبة من تجربتها الشخصية، ما جعل الفصل بين الدور والواقع صعبًا، خصوصًا أن الخوف ظل حاضرًا في حياتها اليومية وأثناء الأداء. وتوضح أن كثيرًا من الفنانين تتقاطع تجاربهم في الفقد والخوف والنجاة، وهو ما انعكس على الشخصيات التي قدموها.

afd1182f-e857-4f30-aa0f-36f4c32329e9.jfif
 

وتستحضر الفنانة عودة مشاركتها في عرض «خمسين دقيقة في غزة»، الذي تناول تجربة الحصار داخل أحد المستشفيات، إلى جانب قصص أشخاص عاشوا الحرب وفقدوا أحباءهم، مشيرةً إلى أن الحكايات حملت تفاصيل عاشها الفنانون أو شهدوا آثارها عن قرب، فجاء الأداء محمّلًا بمشاعر حقيقية. وتصف الوقوف أمام الجمهور لتجسيد مشاهد تشبه تجاربها بأنه بالغ الصعوبة، إذ تجد نفسها أحيانًا أمام حكايات تستعيد وجعها فتشعر برغبة في البكاء خلال الأداء، لأنها لا تتحدث عن معاناة متخيلة. وتضيف أن استحضار هذه التفاصيل بالصوت والحركة ليس سهلًا، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمواقف يتمنى الإنسان لو أنه لم يعشها أصلًا.

ورغم ذلك، تواصل عودة التمثيل لقناعتها بأن هناك قصصًا جديرة بأن تُسمع. وترى أن ذكريات الحرب تظل حاضرة في حياة الغزيين، من لحظات النجاة من الموت إلى فقدان الأحبة وأشياء كانت جزءًا من حياتهم. وتؤكد أن هذه الحكايات يجب ألا تبقى محصورة داخل القطاع، بل تصل إلى العالم، وأن فناني غزة يريدون أن يقولوا إنهم ما زالوا متمسكين بالمسرح ويحتاجون إلى أماكن يروون فيها حكاياتهم بأنفسهم.

5cdc58a3-309f-4d22-acaa-f4f66801684c.jfif
 

مساحة للتعبير ومناقشة القضايا

يقول الفنان أحمد عوض إن المسرح لا يقتصر على تقديم العروض، بل هو وسيلة لنقل الواقع الذي يعيشه الغزيون، وطرح القضايا الاجتماعية ومناقشتها ومحاولة إيجاد حلول لها. ويضيف لـ«البوابة 24» أن عودة الفنانين إلى العمل المسرحي جاءت بدافع ارتباطهم بالمسرح وإيمانهم بقدرته على فتح المجال أمام المجتمع لمواجهة مشكلاته والتفكير في سبل معالجتها.

ويوضح أن العروض الحالية تسعى إلى إبراز العادات والقيم الاجتماعية التي تراجعت في ظل الظروف القاسية التي مر بها القطاع، إلى جانب مناقشة المشكلات التي تفاقمت بفعل الحرب وتداعياتها. ويرى أن المسرح يمكن أن يسهم في إحياء هذه القيم وتعزيز حضورها في المجتمع، عبر تقديم قضايا تمس حياة الناس وتفتح باب النقاش حولها، ونقل القيم والثقافة من جيل إلى آخر.

ويتابع أن الحرب انعكست على موضوعات العروض وطبيعة الأداء، فأصبحت الأعمال أكثر التصاقًا بتجارب الفنانين والجمهور، بما فيها مشاهد الخوف والرعب والتهجير والبحث عن مكان آمن. ويقول إن هذه المشاهد لم تعد نصوصًا يتدرب عليها الممثلون، بل صارت مستمدة من تفاصيل واقعية عاشها الغزيون، ما منح العروض قدرًا أكبر من الصدق وجعلها أقرب إلى حياتهم اليومية. ويؤكد أن التعامل مع جمهور أنهكته الحرب يتطلب مراعاة الجانب الإنساني، وأن رؤية ألم الآخرين ومحاولة التخفيف عنهم مسؤولية إنسانية، فالمسرح يسعى إلى منح الجمهور شعورًا بأن تجاوز الألم لا يزال ممكنًا، وأن هناك ما يستحق التمسك به رغم الخسائر.

ويشدد على أهمية مشاركة الشباب في العمل الثقافي والفني، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من المجتمع ومستقبله، إذ تتيح لهم هذه المشاركة التعبير عن تجاربهم وأفكارهم والإسهام في مناقشة القضايا التي تواجه مجتمعهم. ويؤكد عوض تمسكه باستمرار العمل المسرحي رغم التحديات، انطلاقًا من اعتقاده بأن الفن جزء من حياة الناس، ووسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن الألم واستعادة القيم الإنسانية التي تزداد الحاجة إليها في ظل تداعيات الحرب.

769c5c50-89e8-468e-b3a9-e14a4bdef444.jfif
 

ليس استعراضًا للألم

تقول المخرجة هناء الغول إن الحرب لم تدمر المسارح فحسب، بل أفقدت الفنانين الأمكنة التي اعتادوا الاجتماع فيها وتقديم أعمالهم، ما جعل العودة إلى الخشبة تحديًا يتطلب البحث عن أماكن بديلة والاستمرار بما هو متاح. وتضيف لـ«البوابة 24» أن التوقف عن العمل المسرحي يحرم الفنانين من التعبير عن تجاربهم ورواية حكاياتهم، ولذلك يحاولون العودة رغم الظروف الصعبة، فالمسرح في نظرهم جسر للتواصل والإبداع وليس مجرد خشبة وجدران.

وترى الغول أن العروض لا ينبغي أن تقتصر على سرد أحداث الحرب، بل يجب أن تقترب من آثارها النفسية والإنسانية، كالخوف والفقد والانتظار، والتحولات التي طرأت على شعور الناس بالأمان وعلاقتهم بالبيت والحياة اليومية. وتشير إلى أن المسرح قادر على توثيق جوانب من التجربة لا تظهر دائمًا في الصور والأخبار، من خلال نقل المشاعر والتفاصيل التي عاشها الناس.

وتؤكد أن تقديم عروض عن الحرب أمام جمهور عاش تجارب قاسية يفرض مسؤولية فنية وإنسانية، فالهدف ليس استعراض المعاناة أو إعادة إنتاج الألم لمجرد التأثير، بل تقديم التجربة بوعي وإنسانية، مع منح الجمهور فرصة للتأمل والتعبير عن مشاعره، وحتى الضحك، بعيدًا عن اختزال حياته في الحزن والخسارة. وترى أن دور المسرح يمتد من تذكير الناس بما عانوه إلى فتح باب التواصل أمامهم وإيجاد معنى لتجاربهم.

ورغم غياب الأماكن المناسبة، تتمسك الغول باستمرار العمل المسرحي، مؤكدة أن الفنانين سيواصلون تقديم أعمالهم حتى لو اضطروا إلى الوقوف في الشارع ما داموا قادرين على إيصال رسالتهم. وتقول إن عودة المسرح تعني أن غزة لا تزال قادرة على الحلم والإبداع ورواية حكاياتها، وأن استعادة الخشبة تشمل استعادة حق الناس في التعبير والخيال، والحفاظ على الحياة الثقافية رغم الدمار. فبالنسبة إليها، ما زال لدى فناني غزة الكثير من الحكايات التي تستحق أن تُروى، وصوت يريد أن يصل إلى العالم، وخشبة يأمل الفنانون أن يواصلوا الوقوف عليها مهما كانت الظروف.

c1b8728c-d9b1-4c02-9444-647baa08424b.jfif
 

البوابة 24