وثائق سرية تفتح ملفًا شائكًا بين إسرائيل وقطر قبل هجوم 7 أكتوبر.. ما علاقة حماس؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

كشفت وثائق ومراسلات رسمية عن تفاصيل جديدة بشأن الدور الإسرائيلي في تسهيل تحويل المساعدات المالية القطرية إلى قطاع غزة لسنوات، في تطور يعيد فتح التساؤلات حول سياسة حكومات بنيامين نتنياهو تجاه حركة حماس خاصة في الفترة التي سبقت هجوم 7 أكتوبر 2023.

وبحسب تحقيق نشرته مجلة "تايم" استند إلى مراسلات وشهادات لمسؤولين إسرائيليين وأمريكيين وعرب، لم يقتصر الدور الإسرائيلي على السماح بوصول الأموال إلى القطاع، بل امتد إلى المساهمة في إنشاء آليات التحويل والإشراف عليها، مع استمرار المطالبة بإبقاء هذا النظام قائمًا رغم الانتقادات الإسرائيلية العلنية لقطر.

رسائل تكشف ما جرى خلف الكواليس

من بين الوثائق التي تناولها التحقيق رسالة تعود إلى عام 2020، بعث بها رئيس الموساد الإسرائيلي آنذاك يوسي كوهين إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، عبّر فيها عن تقدير إسرائيل للمساعدات القطرية المقدمة إلى غزة، معتبرًا أنها ساهمت في تحسين الأوضاع الإنسانية وتعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة.

كما كشف التحقيق عن رسالة أخرى من العام نفسه، طلب فيها مسؤول بمجلس الأمن القومي الإسرائيلي عرف باسم ر.ل. معوز، استمرار التحويلات المالية القطرية من خلال الآلية القائمة، مع التشديد على تمرير الأموال عبر السفير القطري محمد العمادي، رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة، بدلًا من اللجوء إلى وسطاء أو دول أخرى.

وتشير هذه المراسلات، وفق التحقيق، إلى وجود فجوة بين التصريحات الإسرائيلية المعلنة بشأن قطر وعلاقتها بحماس، وبين الاتصالات التي جرت بعيدًا عن الأضواء للحفاظ على تدفق الأموال إلى القطاع.

كيف تشكلت آلية الأموال القطرية؟

بدأت قطر تقديم الأموال إلى غزة بعد سيطرة حماس على القطاع عام 2007، فيما وافقت حكومة نتنياهو، بحلول عام 2012، على آلية أتاحت لإسرائيل المشاركة في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، بما يشمل الغذاء والإمدادات الطبية والمساعدات المالية للأسر الفلسطينية، إلى جانب دعم إمدادات الكهرباء.

ومع مرور الوقت، تطورت هذه الترتيبات إلى تعاون ضم إسرائيل وقطر والأمم المتحدة، وشمل اتفاقًا لتوفير الوقود إلى غزة في أكتوبر 2018، ثم برنامجًا قطريًا أُعلن عنه عام 2021 بقيمة 40 مليون دولار، استهدف مساعدة نحو 100 ألف أسرة فلسطينية، بواقع 100 دولار شهريًا لكل أسرة لمدة أربعة أشهر، قبل تمديد الترتيبات لاحقًا.

ووفقًا لدبلوماسيين مطلعين على الآلية، شاركت إسرائيل في تدقيق بيانات المستفيدين والإشراف على توزيع المساعدات، فيما نُفذت بعض المدفوعات عبر برنامج الأغذية العالمي، مع إخطار الأسر المستفيدة بمواعيد وأماكن تسلم الأموال.

تحويلات بملايين الدولارات تحت إشراف إسرائيلي

وتضمنت الوثائق رسالة مؤرخة في يوليو 2019، أفادت بأن قطر أبلغت حكومة نتنياهو بتحويل ستة ملايين دولار إلى 20 ألف مستفيد اختارتهم إسرائيل، بحيث يحصل كل مستفيد على 300 دولار.

لكن التحقيق أشار إلى أن المعلومات المتاحة لا تحسم عدد المستفيدين الذين كانت تربطهم صلات بحماس، سواء من خلال العضوية في الحركة أو عبر أقارب ينتمون إليها، وهو ما يترك تساؤلات بشأن طبيعة المستفيدين ومدى وصول الأموال إلى جهات غير مدنية.

حماس.webp


 

في المقابل، أكدت قطر أن مساعداتها المالية كانت مخصصة للمدنيين الفلسطينيين، وأنها نُفذت عبر آليات منسقة مع السلطات الإسرائيلية والشركاء الدوليين.

وقال متحدث باسم المكتب الإعلامي الدولي القطري إن إسرائيل كانت تشرف على التحويلات وتشارك في إنشاء آلياتها، معتبرًا أن مسؤولية أي أموال يُزعم وصولها إلى حماس تقع على الجهة التي أدارت هذه العملية وأشرفت عليها.

ما الذي حدث قبل هجوم 7 أكتوبر؟

تزداد أهمية هذه التفاصيل مع اقتراب الأحداث من هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، إذ أشار التحقيق إلى أن مسؤولين قطريين حاولوا خلال ذلك العام تعديل نظام توزيع المساعدات لتقليل اعتماد المدنيين على كل من حماس والحكومة الإسرائيلية، غير أن مصادر متعددة، بينها مسؤول إسرائيلي سابق ودبلوماسي دولي، أفادت بأن حكومة نتنياهو سعت إلى الإبقاء على الإطار القائم بدلًا من تغييره بصورة جوهرية.

وقبل نحو أسبوعين من الهجوم، توجه رئيس الموساد دافيد برنياع إلى الدوحة لطلب تجديد التمويل القطري، وفق ما أوردته تقارير صحفية سابقة وتفاصيل إضافية في تحقيق «تايم».

وبحسب المصادر التي استند إليها التحقيق، وافق المسؤولون القطريون على استمرار التمويل، لكنهم أشاروا إلى أن التمديد سيكون الأخير، فيما طلب برنياع مواصلة المساعدة لفترة إضافية. وكان أحد الاعتبارات الإسرائيلية، وفق مسؤولين مطلعين على المناقشات، أن استمرار تدفق الأموال قد يمنح حماس ما تخشى خسارته، بما يوفر لإسرائيل وسيلة للتأثير في سلوك الحركة.

ومع ذلك، لا تثبت الوثائق التي تناولها التحقيق أن المساعدات القطرية مولت هجوم 7 أكتوبر بصورة مباشرة، لكنها تسلط الضوء على الحسابات السياسية والأمنية التي استندت إليها إسرائيل في التعامل مع التمويل الموجه إلى غزة.

بينيت يغير شكل الدعم ويبقي البرنامج قائمًا

ولم تتوقف الآلية بالكامل مع انتهاء ولاية نتنياهو الأولى في هذا الملف، إذ استمر البرنامج خلال فترة تولي نفتالي بينيت رئاسة الحكومة، رغم أنه كان من أبرز منتقدي سياسة السماح بدخول الأموال النقدية إلى القطاع عندما كان وزيرًا في حكومة نتنياهو.

وبعد وصوله إلى رئاسة الوزراء، أوقف بينيت ممارسة إدخال الأموال في حقائب نقدية، لكنه أبقى على برنامج المساعدات القطري الأوسع، وفق ما أورده التحقيق.

ونقل التحقيق عن مسؤول سابق في إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أن قطر كانت تستعد لإنهاء البرنامج في تلك الفترة، بينما أفاد مسؤول حضر محادثة بين ممثل إسرائيلي ومبعوث أمريكي بأن الجانب الإسرائيلي أبدى رغبة في استمرار الترتيبات دون تغيير جوهري.

اتهامات لنتنياهو بتكريس الانقسام الفلسطيني

وأعادت هذه المعلومات إشعال الجدل بشأن ما إذا كانت سياسة نتنياهو تجاه المساعدات القطرية قد ساهمت في إطالة أمد حكم حماس في غزة وتعميق الانقسام السياسي بينها وبين السلطة الفلسطينية.

ويرى منتقدون أن استمرار التمويل وفق الآلية التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية ساعد في إبقاء الوضع السياسي القائم، بينما دافع نتنياهو سابقًا عن هذه السياسة، قائلًا إن الهدف كان ضمان استمرار الخدمات المدنية ومنع حدوث انهيار إنساني في القطاع، بما يشمل قطاعات المياه والصرف الصحي والتعليم.

وفي مقابلة مع مجلة "تايم" عام 2024، رفض نتنياهو الاتهامات المتعلقة بتعزيز قوة حماس عبر المساعدات، فيما امتنع مكتبه عن التعليق على التحقيق الأخير.

وتخلص الشهادات الواردة في التحقيق إلى أن السياسة الإسرائيلية استندت إلى اعتقاد بأن المساعدات المدنية قد تسهم في الحفاظ على الاستقرار وتمنح إسرائيل هامشًا للتأثير في حماس، لكن نتائج هذه المقاربة أصبحت موضع مراجعة حادة بعد هجوم 7 أكتوبر وما أعقبه من حرب مدمرة على قطاع غزة.

روسيا اليوم