غزة/ البوابة 24- غادة زملط:
لم تكن آيات ستّوم قادرة على الحركة حين صدر أمر بإخلاء البرج السكني الذي كانت تنزح في إحدى شققه بالطابق الخامس. وبينما كان النازحون يستعدون للمغادرة، وجدت نفسها عاجزة عن اللحاق بهم، تنتظر من يساعدها على الخروج.
«أستمع لوقع الأقدام بينما أتأرجح أنا بين الرعب والعجز، الجميع يبحث عن خلاصه، بينما لا أقوى أنا على الحركة، أنتظر من ينقذني من موت محقق»، تستعيد آيات تلك اللحظة.
قبل أن يصيبها المرض، كانت آيات، البالغة من العمر 36 عامًا، شابة تقف على قدميها. أنهت دراستها الجامعية في تخصص التأهيل المجتمعي، ثم انطلقت إلى العمل مع أطفال من ذوي الإعاقة الذهنية.

في عام 2014، بدأت تشعر بآلام في ساقيها، ترافقها صعوبة في المشي والحفاظ على التوازن. ومع مرور الوقت، تراجعت قدرتها على الحركة، حتى انتهى بها المطاف على كرسي متحرك.
خمس سنوات أمضتها متنقلة بين عيادات الأطباء بحثًا عن تشخيص يفسر ما يحدث لجسدها، حتى أخبرها طبيب عام 2019 بأنها مصابة بالتصلب اللويحي المتعدد.
تستذكر ذلك اليوم بصوت مختنق: «أخبرني أنني سأفقد قدرتي على الحركة، سأجلس على كرسي متحرك، وربما سأفقد البصر تدريجيًا».

لم تستسلم آيات لواقعها الجديد، بل حاولت التكيف مع المرض والبحث عن مساحة تستعيد فيها شيئًا من حياتها. التحقت بنادي الجريح الفلسطيني، وهو نادٍ رياضي للهواة من ذوي الإعاقة الحركية، وبدأت ممارسة ألعاب القوى، فوجدت في الرياضة فرصة لتجاوز عزلتها واستعادة ثقتها بقدراتها.
تقول آيات: «كان النادي نقطة تحول في حياتي، تمرّنت على رمي الرمح والجُلّة وحققت التقييم الأعلى من بين تصنيف اللاعبين».
لكن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بدّلت مسار حياة آيات مرة أخرى. فمع نقص الأدوية وتعطل الرعاية الطبية، بدأت انتكاسات المرض تتوالى.

نزحت آيات مع عائلتها من مخيم جباليا شمال القطاع إلى خانيونس جنوبه. وفي محطتها الأولى، أقامت في غرفة تُستخدم مخزنًا للتموين تابعًا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا». هناك، ازدادت حالتها سوءًا، حتى عجزت عن الجلوس، وأصبحت غير قادرة على الاعتماد على نفسها في تلبية احتياجاتها اليومية.
تروي آيات: «في العام الأول من الحرب لم أتمكن من توفير علاجي أو الحصول على الرعاية اللازمة، كنت أتابع تطورات حالتي مع طبيبتي المعالجة التي غادرت غزة أثناء الحرب عبر واتساب، وكانت بدورها ترسل لي وصفات طبية إلكترونية لصرف العلاج من وزارة الصحة بغزة، لكنني علمت باستقالتها لاحقًا، فانقطع تواصلي معها».
لم يمنعها عجزها الجسدي من محاولة إيجاد مساحة للفعل وسط النزوح. بدأت بتنظيم مبادرات ترفيهية للأطفال، محاولةً إدخال شيء من البهجة إلى حياتهم، رغم أصوات القصف التي كانت تحيط بهم.

أما علاجها، فظل مرتبطًا بما يتوفر في وزارة الصحة. ورغم عدم وجود علاج شافٍ للتصلب اللويحي المتعدد، تحتاج آيات إلى الأدوية التي تساعد على الحد من الانتكاسات، لكنها لا تحصل عليها بانتظام.
ولا تقف احتياجاتها عند الدواء؛ فحالتها تتطلب جلسات علاج طبيعي مكثفة، وتوضح آيات أن ما يتاح لها في المستشفيات لا يتجاوز ثلاثين دقيقة للجلسة الواحدة، وفق تجربتها، في وقت تحتاج فيه إلى رعاية تأهيلية أكثر استمرارية، وإلى أدوات مساعدة تخفف من معاناة الخيمة.
اليوم، تقيم آيات مع أسرتها في خيمة بمنطقة التل في خانيونس، على سرير خشبي متهالك ترفعه أربعة أحجار عن الأرض، وتتأمل صورة على هاتفها، التُقطت قبل اثني عشر عامًا، تظهر فيها تقف على قدميها.
ومع اقتراب الشتاء، لا يقتصر خوفها على ما يفعله المرض بجسدها، بل يمتد إلى الخيمة التي تؤويها، وإلى ما قد تحمله الأمطار لها. تسأل: «أيمكن أن تسقط الخيمة عليّ؟ أيمكن أن أغرق بمياه المطر؟».

