غزة.. شهادات على الورق وبطالة في الميدان

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ البوابة 24 - جنين الوادية

خلف بسطة صغيرة في غزة، يقف راني النعيزي في انتظار زبائنه. لا شيء في المكان يدل على أن الشاب ذا الـ26 عامًا يحمل شهادة في هندسة التصميم والمونتاج، ولا أن هذه البسطة لم تكن يومًا جزءًا من خطته، بل كان يفترض أن يجلس الآن أمام شاشة، لا أمام بضاعة يبيعها ليؤمّن قوت يومه.

يخبرنا راني، أنه تخرج من جامعة الأزهر في غزة عام 2026، بعدما كان يفترض أن ينهي دراسته عام 2024. وعندما عادت الدراسة بصورة إلكترونية، لم تكن ظروف الحرب تسمح له بمتابعتها بسهولة، خصوصًا بعد تدمير حاسوبه في القصف، فاضطر إلى الاستعانة بجهاز أحد أصدقائه لاستكمال دراسته.

ويقول إن فقدان الحاسوب كان أكثر من خسارة لجهاز شخصي؛ فتخصصه يعتمد على استخدام برامج التصميم والمونتاج والممارسة المستمرة، ومع غياب الأداة التي يحتاج إليها، تراجعت قدرته على التدريب وتطوير مهاراته أو حتى الالتحاق بأي فرصة تدريبية أخرى.

يضيف: "قبل نحو عام، تقدمت إلى فرصة عمل في مجاله، لكنني اصطدمت بشرط امتلاك حاسوب بدلًا من أن توفره المؤسسة. وبعد تعذر دخولي سوق العمل، اتجهت إلى فتح بسطة صغيرة لتأمين مصدر دخل، بينما بقيت عودتي إلى تخصصي مرتبطة بامتلاك جهاز أستطيع من خلاله التدريب والعمل".

غادة فارس أبو مشعل، 26 عامًا، تخرجت عام 2023 في تخصص علوم التغذية والصحة العامة من كلية فلسطين التقنية، وخلال دراستها، تدربت في مستشفى الشفاء وجمعية أرض الإنسان، وكانت تخطط للعمل في مؤسسة صحية أو إنسانية، مستفيدة من معرفتها في التغذية العلاجية وسوء التغذية وتغذية الأطفال.

تقول غادة إن المشكلة تبدأ عند البحث عن الوظيفة الأولى؛ فكثير من الفرص تشترط خبرة عملية لسنوات بعد التخرج، بينما يصعب على الخريج الجديد اكتساب الخبرة من دون أن يحصل على فرصة يبدأ منها.

وتوضح أنها حاولت خلال فترة انقطاعها عن العمل تطوير معرفتها من خلال الدورات ومتابعة ما تعلمته، لكنها ترى أن الدراسة النظرية لا تعوض الممارسة، خصوصًا في المجال الصحي الذي يتطلب التعامل مع الحالات تحت إشراف مختصين.

أما محمد ناصر، 25 عامًا، خريج التصميم الجرافيكي من الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في غزة، فقد بدأ العمل في مجاله قبل الحرب "أونلاين" في مؤسسة بمنطقة وادي الجوز في القدس، وكان يطمح إلى تطوير مهاراته وفتح شركته الخاصة، قبل أن يفقد عمله وحاسوبه.

ويشرح محمد أن خسارة العمل لم تؤثر في قدرته على تلبية احتياجاته الأساسية فقط، وإنما أوقفته أيضًا عن ممارسة تخصصه ومتابعة التطورات المتسارعة في مجال التصميم الجرافيكي، وهو ما يزيد مخاوفه من تراجع فرصه المهنية مع مرور الوقت.

وبينما تبحث غادة عن فرصة تحول ما تعلمته إلى خبرة عملية، يحاول محمد استعادة أدوات مهنته، فيما يحتاج راني إلى حاسوب يعيده إلى تخصصه، ورغم اختلاف ظروفهم، تجمعهم مشكلة واحدة: صعوبة الانتقال من الشهادة إلى سوق العمل في وقت تقلصت فيه فرص التدريب والتشغيل.

سوق عمل منهك

تظهر بيانات سوق العمل حجم الأزمة، فقد بلغ معدل البطالة في غزة نحو 45.3% عام 2022، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، قبل أن يرتفع إلى 79.7% في تقديرات عام 2024.

وقدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني والبنك الدولي المعدل بنحو 78% خلال عام 2025، مع استمرار التدهور الاقتصادي وتعطل قطاعات واسعة من النشاط الإنتاجي.

ولا تعكس البطالة فقدان الوظائف فقط؛ فقد تضررت المؤسسات والمنشآت، وتراجعت فرص التدريب والتشغيل، كما أصبح توفير المعدات والوصول إلى أماكن العمل أكثر صعوبة.

وتختلف الفترات المرجعية والمنهجيات المستخدمة في قياس البطالة خلال الحرب، إذ واجه مسح القوى العاملة في غزة صعوبات استثنائية، ما دفع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومنظمة العمل الدولية إلى تطوير مؤشرات ومنهجيات بديلة، لذلك لا تمثل جميع الأرقام قياسًا متطابقًا للفترة نفسها أو بالطريقة الإحصائية ذاتها.

في هذا السياق، يرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الأزمة تتجاوز ارتفاع البطالة إلى تعطل قطاعات إنتاجية ومؤسسات كانت توفر فرص العمل والتدريب، وهو ما ينعكس على دخول الأسر وقدرتها الشرائية ويزيد اعتمادها على المساعدات.

ويشير أبو قمر إلى أن الخريجين يواجهون تحديًا إضافيًا يتمثل في الفجوة بين المؤهلات الأكاديمية والمهارات العملية، خصوصًا في تخصصات مثل التمريض والإعلام والتصميم والبرمجة، التي تحتاج إلى ممارسة مستمرة.

ويحذر من أن استمرار الانقطاع قد يؤثر في جاهزية الخريجين المهنية، موضحًا أن العودة إلى سوق العمل تحتاج إلى تدريب وممارسة لاستعادة المهارات، وليس إلى التنافس على الوظائف فقط.

ويضيف أن التطوير الذاتي وحده لا يكفي؛ فالتعلم يحتاج إلى أجهزة وإنترنت وبيئة مناسبة، ثم إلى فرص فعلية لتحويل المعرفة إلى خبرة. لذلك يقترح برامج تدريب مدفوعة للخريجين، وفرص عمل مؤقتة بأجر عادل، ودعم المنشآت الصغيرة، وتوفير المعدات اللازمة للتخصصات الرقمية، إلى جانب برامج إعادة تأهيل مهني مرتبطة بفرص توظيف حقيقية.

ويشدد أبو قمر على دور القطاع الخاص في استعادة النشاط الاقتصادي وفتح مسارات للتدريب والتشغيل بالتوازي مع إعادة الإعمار، لأن التدريب لن يكون كافيًا إذا لم يجد الخريج مؤسسة يتدرب فيها أو وظيفة يستخدم فيها ما تعلمه.

البوابة 24