كيف تُغيّب الحرب طعام التراث؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ البوابة 24 - سندس محمدين

لم تكن تهاني البريم تتخيّل يوماً أنها ستفتل المفتول داخل خيمة يزاحمها الرمل. المزارعة التي اعتادت غرس القمح والفريكة والزعتر في أرضها ببلدة بني سهيلا، لتنتج طعامها وتزوّد 28 متجراً بما تصنعه يداها، تجد نفسها اليوم في مواصي خان يونس بلا أرض ولا متسع؛ تصارع ذرات الرمل والضيق لإعداد طبق يتطلب مساحة نظيفة وهدوءاً.

تقول السيدة التي تعيل أفراد أسرتها إنها مزارعة بالأصل، وما تزرعه عادة كانت تطهو منه، مضيفة: "اليوم حتى تحضير المفتول صار مهمة شاقة بالنسبة لي بعدما كان الأحب إلى قلبي، المفتول يحتاج مساحة واسعة ونظافة، وهذا ما يعارضه رمل الخيمة".

لكن ماذا حدث للمفتول؟ بالتأكيد لم تفقد المهارة ولا الوصفة، بل خسرت الشرط الأول لإعدادها، "المكان النظيف والمحصول الطازج".

أطباق تتراجع مع بيئتها

ما تواجهه تهاني هو حلقة ضمن مسار أوسع ترصده الباحثة في التراث الغذائي داليا أبو طاحون؛ إذ ترى أن الأطباق الشعبية لا تغيب لنسيان مقاديرها، بل لفقدان بيئتها الحاضنة، وتتذكر هنا شغفها بوجبات جدتها وأصلها من يافا، وتقارنها بأطباق تتراجع اليوم قسراً كالشيش برك، والكشك، والبربارة، والمسفن؛ وهي مأكولات تتطلب وقتاً ووقوداً وأدوات مخصصة.

توضح داليا "كانت نكهة الأكلات التراثية مرتبطة بخشب الزيتون، وزيت الأرض، والخضار التي تُقطف للتو. مع تعذر الوصول إلى الأراضي وانعدام الوقود والمعدات، بات الطبخ يتم بما هو متاح فقط، وفي مساحات طارئة لا تسمح بصناعة طعام يتطلب صبراً ومهلاً".

وفي زاوية أخرى، تبرز التكلفة كعائق ثانٍ يطرد الأكلات التراثية عن النار، فمثلاً خديجة الكيلاني (أم أمجد)، مؤسسة مشروع "بنت الريف" لتمكين النساء منذ عام 2011، اضطرت لتحويل معملها من إنتاج الحلويات والأجبان والمربيات إلى التركيز على الخبز والمفتول المجفف لتلبية الاحتياجات الأساسية.

تؤكد خديجة أن أكلات عريقة كـ"السماقية" و"فطائر السبانخ" انحسرت بشدة لأن مكوناتها أصبحت خارج القدرة الشرائية؛ فالسماقية تتطلب مقادير كثيرة وباهظة، والسبانخ قفزت أسعاره، واللحوم غابت عن أهالي القطاع منذ بدء الإبادة.

ودفع هذا الغلاء النساء إلى مساومات قاسية، كاستخدام الحلاوة بالكاكاو بديلاً عن السكر المفقود في حشو المعجنات، وتحدثنا خديجة: "هذا ليس مجرد طعام، هذه هويتنا وريحة أجدادنا، لكن الطبخ اليوم صار بحسابات التكلفة والوقود قبل المذاق".

نار الحطب المفقودة

حتى الطهي على الحطب لم يعد كما كان؛ ففي ذاكرة سوسن أبو علي، النازحة من عبسان الكبيرة، كانت النار خياراً يُضفي على الطعام نكهته الخاصة، لا اضطراراً تحاصره الأزمات جراء الحرب على غزة.

تتذكر أمها التي كانت تُفضل الحطب وفرن الطينة لإعداد "أقراص الزعتر الأخضر" بالعجين المخمر وزيت الزيتون والسماق، وتوصي بتوريث الصنعة للأبناء: "أمّنا علمتنا نورّث العلم وما نبخل على حد".

لكن ذاك التوريث يصطدم اليوم بواقع الخيام؛ فصناعة أقراص الزعتر وفرن الطينة تحتاج إلى استقرار ومكونات لم تعد في متناول الأيدي، ليتحول ما كان طقساً يومياً تتوارثه الأجيال إلى ممارسة صعبة المنال.

ولعل هذا يوضح الوجه الحقيقي للأزمة، فالأكلات الشعبية في غزة لا تموت في الذاكرة، بل تُقتلع من موائدها لاقتلاع الظروف التي تجعل إعدادها ممكناً، فغياب المحصول، وشح الوقود، وضيق المكان، وندرة الأدوات؛ كلها عناصر في بنية الوصفة الأصلية.

ومع كل طبق يغيب، لا تفقد المائدة وجبة فحسب، بل تفقد معها جزءاً من تفاصيل الحياة الاجتماعية والطقوس المشتركة، في معركة يومية تخوضها نساء غزة لتدوين وتمرير ما تبقى، قبل أن تتحول هذه الأطباق من روائح تملأ البيوت إلى مجرد أسماء تُروى.

البوابة 24