بدأت إسرائيل، في 12 يونيو الجاري، سلسلة من الهجمات المركزة على عدد من المواقع العسكرية والنووية داخل الأراضي الإيرانية، في محاولة منها لإعاقة التقدم الإيراني نحو امتلاك سلاح نووي.
وقد استهدفت هذه الضربات قواعد إطلاق صواريخ، ومنشآت نووية، وعلماء في مجال الطاقة الذرية، إلى جانب ضباط عسكريين كبار، جميعهم يشكلون مكونات أساسية لما تعتبره تل أبيب برنامجًا نوويًا يهدد أمنها الوجودي.
تحليل بريطاني
وفي تحليل صادر عن "تشاتام هاوس" البريطاني، أوضحت الباحثة البارزة في الأمن الدولي، ماريون ميسمير، أن تل أبيب لطالما هددت بتوجيه ضربة مباشرة إلى البنية النووية الإيرانية، لكن تنفيذ هذه الهجمات جاء متزامنًا مع حراك دبلوماسي متجدد بين طهران وواشنطن، بالإضافة إلى تصويت من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يدين إيران بانتهاك التزاماتها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي.
وكان تقرير صادر عن الوكالة قد أشار إلى وجود كميات غير معلن عنها من المواد النووية داخل إيران، محذرًا من أن مستوى الرقابة الدولية على أنشطة التخصيب أصبح أكثر صعوبة وتعقيدًا، ووفقًا للتقرير، فإن إيران تمتلك بالفعل كمية من اليورانيوم المخصب تكفي لإنتاج تسع قنابل نووية، ما يرفع من حدة المخاوف العالمية.
مفاوضات مؤجلة
وجاءت الهجمات الإسرائيلية في وقت حساس، حيث كان من المقرر أن تنطلق جولة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، لكن التصعيد العسكري أطاح مؤقتًا بأي فرصة لاستئناف الحوار.
وعلى الرغم من نفي واشنطن المباشر لأي تورط في الضربات، فإن تحركاتها، بما في ذلك سحب دبلوماسييها من مناطق قريبة قبل الهجوم، توحي بأنها كانت على علم مسبق وربما لم ترغب في منع العملية.
وقد صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن العملية الإسرائيلية قد تكون جزءًا من خطة أوسع للضغط على إيران للقبول باتفاق نووي جديد، وهو ما ينطوي على تقاطع غير مباشر بين التكتيك العسكري والدبلوماسي.
تداعيات الضربات الإسرائيلية
تعتبر إسرائيل البرنامج النووي الإيراني تهديدًا لا يمكن تجاهله، خاصة بعد تعرض الدفاعات الجوية الإيرانية لانتكاسات العام الماضي، وتشير ميسمير إلى أن التباطؤ الملحوظ في مسار التفاوض الأميركي الإيراني، إضافة إلى الوضع الأمني المعقد، قد دفع تل أبيب إلى تفضيل الخيار الوقائي العسكري بدلاً من الانتظار.
ومع ذلك، فإن هذا الخيار قد ينطوي على نتائج عكسية خطيرة، فإيران رغم أنها لم تتجاوز رسميًا العتبة النووية، إلا أنها لطالما أشارت إلى قدرتها على القيام بذلك إذا اقتضى الأمر.
ومع ازدياد الضغط والتهديدات، قد تزداد قوة التيار المتشدد داخل النظام الإيراني، وهو ما يمكن أن يعجل بقرار صنع القنبلة كوسيلة لردع أي تدخلات إضافية.
وفي حال واصلت إسرائيل هجماتها ونجحت في إظهار هشاشة الردع الإيراني التقليدي، فإن طهران قد ترى في امتلاك سلاح نووي ضرورة وجودية لا ترفًا عسكريًا.
ويذكر أن منشأة "نطنز" النووية الإيرانية، رغم تحصينها العميق، لم تسجل حتى الآن أي تسرب إشعاعي عقب الهجمات.
لكن التحذير الأهم، وفق ميسمير، يكمن في أن ضرب المنشآت النووية حتى دون استخدام أسلحة نووية، قد يؤدي إلى انبعاثات إشعاعية كارثية قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود إيران سواء على مستوى البيئة أو السكان.
السيناريو الأخطر
يشير التحليل إلى أن إسرائيل التي تملك ترسانة نووية يعتقد أنها أكبر بكثير من أي قدرة نووية إيرانية محتملة، وقد تواجه لاحقًا قرارًا استراتيجيًا خطيرًا إذا فشلت الضربات التقليدية في تدمير برنامج إيران النووي، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن أن تلجأ إسرائيل إلى الخيار النووي التكتيكي لضمان إنهاء البرنامج الإيراني؟
وتحذر ميسمير من أن مثل هذا التحول سيؤدي إلى انهيار هيكل الأمن الدولي بأكمله، خصوصًا أن أي استخدام نووي لأغراض هجومية حتى ضد برنامج نووي ناشئ سيشكل سابقة خطيرة تهدد الاستقرار العالمي.