أثيرت حالة من الجدل في لبنان، عقب تداول تصريح المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، بشأن احتمالية "عودة لبنان إلى بلاد الشام"، حيث فسّر البعض هذا التصريح بأنه محاولة للضغط على لبنان لنزع سلاح "حزب الله"، في حين رآه آخرون مؤشراً خطيراً على فقدان الدولة قدرتها على تحمل مسؤولياتها السيادية.
"تهديد وجودي"
ووجه "باراك"، في تصريحات نشرتها صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية، تحذير من أن لبنان إن لم يعالج قضية سلاح حزب الله، فقد يواجه ما وصفه بـ"تهديد وجودي"، مضيفًا: "سوريا تتغير بسرعة، وإذا لم يتحرك لبنان فسيعود ليصبح بلاد الشام مرة أخرى".
كما أشار "باراك"، إلى ما قاله السوريون: "لبنان منتجعنا الساحلي"، مشدداً على أهمية التحرك السريع محذراً من حالة الإحباط التي تعم الشعب اللبناني.
التدخلات المحتملة
وفي هذا الإطار، يرى السياسي اللبناني طوني بولس أن غياب الدولة عن تحمل مسؤولياتها سيتيح المجال لسوريا لتأمين عمقها الأمني داخل الأراضي اللبنانية، بذريعة تهديد "حزب الله" لاستقرارها، كما أن إسرائيل قد تجد في سلاح الحزب مبرراً لتوغل أمني في العمق اللبناني بدعوى حماية أمنها القومي.
وأضاف "بولس"، أن تفرد "حزب الله" بامتلاك السلاح، في مقابل قوى سياسية مدنية عاجزة، يهدد التوازن الداخلي في لبنان، مشيرًا إلى أن باراك سيعود إلى بيروت خلال أسبوعين، وقد يحمل معه رسائل حاسمة تعبر عن يأس واشنطن من الوضع اللبناني، ما قد يعني عزلاً تاماً للبنان عن المجتمع الدولي وتحويله إلى "سجن كبير"، حسب تعبيره.
غموض الورقة الأميركية
والجدير بالإشارة أن تصريحات "باراك" جاءت عقب زيارة رسمية لبيروت قدّم خلالها ورقة مقترحات أميركية بتاريخ 19 يونيو، تضمنت بندًا رئيسيًا حول نزع سلاح حزب الله، وفيما لم تصدق بيروت رسميًا على هذه الورقة، إلا أنها قدمت "أفكارًا للحل"، بانتظار الرد الأميركي، ومع ذلك، يبقى الموقف اللبناني الرسمي تجاه المقترحات في حالة من الغموض.
وفي سياق متصل، شدد نائب الأمين العام لـ"حزب الله"، نعيم قاسم، في خطاب متلفز بمناسبة عاشوراء في 5 يوليو، على أن الحزب لن يُسلّم سلاحه إلا بعد رحيل "العدوان الإسرائيلي" عن لبنان. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار بين الحزب وإسرائيل منذ 27 نوفمبر 2024، فإن إسرائيل لا تزال تحتل خمس تلال في جنوب لبنان، علاوة على مناطق أخرى منذ عقود.
ضغط تفاوضي أم تهديد مبطن؟
ومن جهته، يرى المحلل السياسي توفيق شومان، أن تصريحات باراك تندرج ضمن ما سماه "سياسة الضغط الأقصى" لدفع لبنان إلى حسم ملف سلاح حزب الله خلال مهلة تسعين يوماً حددها المبعوث الأميركي.
ويعتبر "شومان"، أن التلويح بإعادة لبنان إلى كنف الحكم السوري هدفه إقناع الداخل اللبناني بخطورة استمرار حالة السلاح المنفلت.
كما استبعد "شومان"، إعادة سيناريو دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، مشيراً إلى أن لا وجود لفريق لبناني حالياً يطالب بتدخل سوري، كما أن سوريا اليوم ليست في وضع يسمح لها بتكرار تجربتها القديمة في لبنان.
تاريخ بلاد الشام
وفي السياق ذاته، لطالما ارتبط لبنان تاريخياً بجغرافيا بلاد الشام، التي تمتد من جبال طوروس جنوب تركيا إلى صحراء سيناء، ومن المتوسط حتى حدود العراق، وفي العهدين الأموي والعباسي، كان لبنان جزءاً من ولاية الشام، وكانت مدنه الساحلية كصور وصيدا وبيروت تشكّل بوابات بحرية لهذه الولاية.
وفي العهد العثماني، انقسم لبنان بين ولايتي دمشق وبيروت، وظل يشار إلى طرابلس بلقب "طرابلس الشام" تمييزاً لها عن العاصمة الليبية.
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الانتداب الفرنسي، قسمت فرنسا بلاد الشام إلى كيانات سياسية جديدة، أبرزها لبنان وسوريا والأردن وفلسطين.
والجدير بالذكر أن الجنرال الفرنسي هنري غورو، قد أعلن في عام 1920، عن تأسيس "دولة لبنان الكبير" من بيروت، بعد ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا.