كشفت مصادر فلسطينية مطلعة عن إدخال تغييرات عميقة على المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتسوية في قطاع غزة، في خطوة تعكس مراجعة شاملة للتصورات السابقة، ووفق هذه التعديلات، لم يعد المسار يبدأ بنشر قوة دولية يعقبها حكم مدني ثم نزع سلاح حركة حماس، بل جرى قلب المعادلة لتبدأ الخطة بتشكيل حكومة مدنية فورية من تكنوقراط فلسطينيين مستقلين، يليها إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، على أن يتم لاحقًا نشر قوة دولية، ثم الشروع في نزع السلاح بشكل تدريجي ومؤجل.
اتفاق خلف الأبواب المغلقة في كاليفورنيا
وبحسب المصادر، فإن الصيغة المعدلة للمرحلة الثانية جرى التوافق عليها خلال اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ولاية كاليفورنيا، وأكدت المصادر أن هذه التفاهمات جاءت نتيجة تقييم مشترك لاحتمالات فشل الخطة بصيغتها الأولى إذا استمر الإصرار على ترتيبها السابق.
لماذا تأجلت القوة الدولية؟
وأوضحت المصادر أن قرار تأخير نشر القوات الدولية إلى مرحلة لاحقة يعود بالأساس إلى الرفض الإقليمي والدولي للمشاركة في ما سمي سابقًا "قوات الاستقرار الدولية"، إضافة إلى مخاوف واسعة من التورط في صراع طويل الأمد داخل القطاع، ودفه هذا الرفض واشنطن إلى إعادة حساباتها، وتخفيف الرهان على الخيار العسكري المباشر في المرحلة الأولى من التنفيذ.
هواجس أمريكية من فشل الخطة الأصلية
وأكدت المصادر أن إدارة ترامب باتت تخشى تعثر الخطة التي أُعلن عنها في نوفمبر 2024 مما دفعها إلى التركيز حاليًا على ملفات أقل تعقيدًا سياسيًا وأمنيًا، وفي مقدمتها إعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد، باعتبارهما مدخلًا عمليًا لتهدئة الأوضاع وتهيئة المناخ لأي خطوات أمنية لاحقة.
من الأمن أولًا إلى الإعمار أولًا
وكانت الخطة الأصلية تنص على نشر قوة دولية متعددة الجنسيات بمشاركة أمريكية وأوروبية وإقليمية لضبط الأمن، يعقبها تشكيل هيئة حكم مدني فلسطينية من التكنوقراط، ثم الانتقال إلى ملف نزع سلاح حماس، غير أن التطورات الميدانية، وعلى رأسها استمرار سيطرة الحركة على أجزاء من القطاع ورفضها التخلي الفوري عن سلاحها، فرضت إعادة ترتيب هذا التسلسل.
حكومة تكنوقراط لإدارة المرحلة الانتقالية
وبموجب التعديلات الجديدة، من المقرر تشكيل هيئة مدنية تضم ما بين 12 و16 شخصية فلسطينية مستقلة من التكنوقراط، لا تنتمي إلى حركة حماس ولا إلى السلطة الفلسطينية، لتتولى إدارة الشؤون الخدمية والمدنية في قطاع غزة، وستكون هذه الهيئة مسؤولة عن تسيير الحياة اليومية للسكان، وتهيئة الأرضية لإطلاق مشاريع إعادة الإعمار.
وتنص الصيغة المعدلة على البدء الفوري بمشاريع إعادة الإعمار، بما يشمل إعادة تأهيل المستشفيات والبنية التحتية، دون ربط ذلك بموعد نشر القوة الدولية، وفي المقابل، جرى تأجيل كل من نشر القوات الدولية وملف نزع سلاح حماس إلى مراحل لاحقة، يتم تنفيذها تدريجيًا ووفق تطورات الوضع على الأرض.
عقبات ميدانية أعادت رسم الخطة
وشكلت عدة عوامل عائقًا أمام تنفيذ الخطة الأصلية، أبرزها تمسك حماس بسلاحها، واستمرار سيطرتها على مناطق داخل غزة، إلى جانب تردد إسرائيل في الانسحاب الكامل من المناطق التي تحتلها دون ضمانات أمنية واضحة، وهذه المعطيات جعلت الخطة السابقة عرضة للتعثر، وأجبرت الأطراف المعنية على إدخال تعديلات جوهرية لتفادي فشلها.
إعادة ترتيب لتفادي الانزلاق
وتشير المصادر إلى أن الرفض الإقليمي والدولي للمشاركة في قوة عسكرية مباشرة، خشية الانجرار إلى مواجهة مفتوحة وطويلة، كان عاملًا حاسمًا في دفع إدارة ترامب إلى إعادة ترتيب أولويات الخطة، والانتقال من مقاربة أمنية صارمة إلى مقاربة تدريجية تبدأ بالإدارة المدنية والإعمار، على أمل أن تمهد الطريق لاحقًا لتسويات أكثر تعقيدًا.
