حين تصبح الأرانب رمزًا للبقاء في غزة

محمد نعيم قديح
محمد نعيم قديح

البوابة 24/ أحلام حماد

في خيمة صغيرة مجاورة للخيمة التي يقيم بها مع أسرته الكبيرة، يعتني النازح الأربعيني محمد نعيم قديح بأرانب، يقول لـ"نوى" إنها "كل ما تبقى له بعدما دمّرت الحرب كل ما يملك في بلدة خزاعة".

من مزرعة كانت تحتوي على زهاء 200 أرنب، كان يمتلكها قديح (42 عامًا) شرقي مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حرص على النزوح بثلاثة أرانب فقط (أنثيين وذكر)، وهو يدرك أن ما يتركه خلفه قد لا يعود إليه أبدًا، إذ شاهد المناطق التي اجتاحتها قوات الاحتلال من قبل، وداسَتها الجرافات والدبابات، ودُمّرت بالكامل.

resize.jpg
 

كان النزوح الأول لقديح عن خزاعة في الأيام الأولى لاندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023م، ثم نزح عنها ثانية بعد عودة لفترة بسيطة، وذلك إبان الاجتياح البري الإسرائيلي الواسع لمدينة خان يونس مطلع ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته.

ونزح للمرة الثالثة في مارس/آذار من العام الماضي، وقضى وقتها شهر رمضان نازحًا مع أسرته (10 أفراد) في مستشفى غزة الأوروبي، وكان يخاطر بنفسه وبأحد أبنائه بالتسلل خلسة إلى البلدة من أجل الاطمئنان على مزرعته، ورعاية الأرانب والدواجن.

إلى جانب مزرعة الأرانب، كان قديح يمتلك مزرعتين للدواجن، وأرضًا ودفيئات زراعية، ومنزلًا مكوّنًا من أربع شقق سكنية، يقول إنها باتت "أثرًا بعد عين"، ويُقدّر قيمة خسائره المادية بنحو مليون دولار.

1766898937-5315-11.jpeg
 

تعددت مرات نزوح هذا الرجل مع أسرته الكبيرة وأرانبه الثلاثة، حتى استقر به المقام حاليًا في خيمة داخل "ميناء القرارة" شمالي مدينة خان يونس، وإلى جوارها خيمة صغيرة تضم بضع أقفاص للأرانب، التي تكاثرت خلال الشهور الماضية، ويمتلك منها حاليًا 10 أرانب، "ليست للبيع أو للأكل"، حسبما يقول قديح.

مرّت بقديح وأسرته وأرانبه ظروف حياة قاسية وبائسة، يتذكر منها شهور التجويع التي عانت منها الأرانب، كما أسرته وكل الغزيين، حيث اختفت أعلافها من الأسواق، وارتفعت أسعار الكميات الشحيحة المتوفرة إلى مستويات قياسية. وفقًا لقديح فإن سعر الكيلو الواحد من العلف المخصص للأرانب ارتفع من شيكلين فقط قبل اندلاع الحرب إلى 100 شيكل، والعثور عليه حينها لم يكن مهمة سهلة.

يوضح قديح أن الأرانب التي يمتلكها من سلالة ألمانية نادرة وغير شائع تربيتها في قطاع غزة، وهذا ما يفسر حرصه على اصطحاب بعضها من مزرعته كي تتكاثر لديه ولا يخسرها تمامًا. وعن هذه السلالة، يوضح أن الأرنب الواحد منها يزيد وزنه على الأرنب البلدي أضعافًا، وقد يصل إلى 18 أو 20 كيلوغرامًا، ويمتاز بشكله وجسده الضخم ورأسه الكبير.

يستيقظ قديح من نومه ويبدأ يومه بالاطمئنان على الأرانب، التي يضع حبّه لها في مقام حبّه لأطفاله وأسرته، وشعر نحوها بقلق شديد في فترة المجاعة، حتى إنه اضطر، بسبب أزمة الأعلاف، إلى طحن الخبز الجاف، وزراعة خضروات في ساحة صغيرة أمام خيمته لإطعامها، وهو طعام يُبقيها على قيد الحياة، لكنه لا يجعلها تصل إلى حجمها ووزنها الطبيعيين.

"جاعت الأرانب كما جعنا"، يقول قديح، الذي قلبت الحرب حياته رأسًا على عقب، فمن مزارع يمتلك أراضي زراعية ومزارع للدواجن والأرانب كانت توفر له حياة كريمة، بات اليوم يعتمد في معيشته وتلبية احتياجات أسرته على التكايا الخيرية والطرود الإغاثية.

1766898969-7643-11.jpeg
 

ورغم معاناته اليومية، والوقت الذي يخصصه للاعتناء بالأرانب والاهتمام بها، فإن قديح لا يشعر بالضجر، ويتمسك بتربيتها وتكاثرها، ويضيف: "تربية الأرانب ليست سهلة، وهي شديدة التأثر بالطقس وتقلباته وبالبيئة من حولها".

وعن أبرز المعوقات التي تواجهه، إلى جانب أزمة الأعلاف، يتحدث قديح عن عدم توفر الأدوية البيطرية اللازمة لتحصين الأرانب بشكل مستمر، وخاصة في مرحلة ما بعد الولادة، فضلًا عن الأدوية اللازمة لعلاج الأرانب من الأمراض التي تصيبها. وبسبب ذلك، يوضح أنه يلجأ إلى التنظيف المستمر تحت الأرانب وحولها من أجل وقايتها وحمايتها من الإصابة بالأمراض.

البوابة 24