غزة/ البوابة 24- رائد كحيل
في التاسع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2025، شهد حي التفاح شرق مدينة غزة واحدة من أبشع المآسي الإنسانية حين استُهدف حفل زفاف كان يُقام داخل مركز إيواء، ما أدى إلى استشهاد ثمانية أفراد من عائلتي البرش والنادر، معظمهم من النساء والأطفال. هذه الحادثة تركت أثرًا بالغًا في المجتمع المحلي، وأصبحت مثالًا صارخًا على حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون في قطاع غزة.
يروي إسماعيل البرش، أحد الناجين من القصف، تفاصيل اللحظة التي غيّرت حياته إلى الأبد. كان يجلس في القاعة بعد صلاة المغرب، محاطًا بأقاربه وأحفاده، حين انهالت القذائف دون سابق إنذار. لم يسمع صوت الانفجار الأول، لكنه وجد نفسه تحت الركام، محاصرًا بين الردم والشوادر التي انهارت فوق رؤوس الحاضرين. فقد حفيده حمادة البالغ من العمر تسع سنوات، فيما أصيب حفيد آخر بجروح في رأسه وهو بين يديه. وبينما كان يحاول إنقاذه عبر النافذة، سمع صراخ ابنه محمد، ثم دوى الانفجار الثاني الذي أفقده القدرة على سماع صوت ابنه، ليخرج بعدها وهو يسير فوق أشلاء أحبائه.
محمد البرش، ناجٍ آخر، يصف اللحظة بأنها الأكثر رعبًا في حياته. فقد أقاربه من آل النادر، بينهم عاطف وزوجته وابنه، وكذلك فوزي وأبناؤه وبناته، إضافة إلى ابن شقيقته الذي فارق الحياة بعد ساعات من إصابته بسبب تأخر وصول الإسعاف. ويؤكد أن غياب التنسيق للسماح لسيارات الإسعاف بالدخول ساهم في ارتفاع عدد الضحايا والمصابين. محمد نفسه أصيب بشظايا في اليد والرقبة، إضافة إلى كسر في الفك، ويعيش اليوم مع شظية مستقرة قرب البلعوم يخشى الأطباء من استخراجها لخطورة موقعها، في ظل غياب الإمكانيات الطبية اللازمة في غزة. ورغم إصاباته، يتمسك بحلمه في استكمال دراسته الجامعية بعد أن أنهى الثانوية العامة بنسبة 95.7% في الفرع العلمي.
أما محمد النادر، فقد عاش ليلة كاملة على أمل أن والده ما زال حيًا، قبل أن يتلقى في الصباح خبر استشهاده مع شقيقه وزوجته وطفله. وقع الخبر عليه كالصاعقة، إذ لم يستوعب حتى اللحظة أنه فقد والده وأفرادًا من أسرته دفعة واحدة. يصف الأمر بأنه أشبه بحلم ثقيل لا ينتهي، خاصة أنه لم ينجُ من العائلة سوى هو وشقيقته التي فقدت طفلتها الرضيعة ذات الثلاثة أشهر، بعد أن كانت قد فقدت والدتها قبل عامين. بالنسبة له، هذه المأساة تجسد طبيعة الاحتلال الذي يمحو عائلات كاملة من السجل المدني، تاركًا فراغًا لا يُعوض في المجتمع.
إن هذه المجزرة لا تمثل مجرد حادثة فردية، بل تعكس واقعًا مأساويًا يتكرر في غزة، حيث تُستهدف التجمعات المدنية دون تمييز، ويُحرم المصابون من حقهم في العلاج الفوري بسبب القيود المفروضة على حركة سيارات الإسعاف.
وأعلنت زارة الصحة بغزة في تقريرها الإحصائي اليومي أنه منذ إعلان وقف إطلاق النار بتاريخ 11 أكتوبر 2025، ارتفع العدد الإجمالي للشهداء إلى 420، فيما بلغ عدد المصابين 1184، ووصل عدد الجثامين التي جرى انتشالها إلى 684. كما بيّن التقرير أن حصيلة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الممتد منذ السابع من أكتوبر 2023، بلغت 70,386 شهيدًا، إضافة إلى 171,264 مصابًا.
