الميلاد في غزة.. صلاة للحب رغم أنف الحرب

غزة/ البوابة 24- أميرة نصار

 

داخل كنيسة دير اللاتين، في البلدة القديمة، شرقي مدينة غزة، حيث تمتزج رائحة البخور ببرودة الرخام القديم، تقرأ الطفلة "مريم طرزي" بصوتٍ خافتٍ يشبه حفيف الأجنحة، ترنيمة الميلاد: "ليلة الميلاد يُمحى البغض، ليلة الميلاد تبطل الحرب، ليلة الميلاد ينبت الحب". وبجوارها، ينشغل أطفالٌ صغار بهندسة "مغارة الميلاد"، يزينون شجرةً أُضيئت على استحياء في قلبِ كنيسةٍ أثقلتها حربُ الإبادة بالدماء والدمار، وكأنهم يحاولون استعادة الأمان من وسط الركام.

تتحدث مريم ببراءةٍ خدشها النزوح، قائلة: "نحن الأطفال المسيحيين في غزة، نفتقد بهجة العيد للعام الثالث على التوالي. كنا نعدُّ الأيام للذهاب إلى الأسواق، ونشتري الزينة لنعلقها في بيوتنا الدافئة، وننتظر الضيوف بلهفة. أما اليوم، فبيوتنا مدمرة، والضيوف رحلوا شهداء، يرقدون الآن بسلامٍ بعيدًا عن ضجيج القنابل".

تصمت ابنة الثلاثة عشر ربيعًا، تتنهد بعمقٍ يسبق عمرها، ثم تُكمل: "ذكرياتنا القديمة ملونة بالأضواء والأغاني والهدايا، أما اليوم، فالميلادُ صار جرحًا مفتوحًا، وحزنًا لا يغادره الفقد".

resize.jpg
 

في ليلة الخامس والعشرين من ديسمبر، أُقيمت صلاة القدّاس الأولى بحسب التقويم الغربي في كنيسة "دير اللاتين- العائلة المقدسة"، لكنها لم تكن تشبه الصلوات السابقة؛ فقد غابت المظاهر الاحتفالية واقتصرت على الشعائر الدينية الصرفة.

تشبك مريم أناملها ببعضها البعض، هامسةً: "المشاعر حزينة، لا نستطيع أن نعيش الفرح كباقي أطفال العالم، نصبر أنفسنا بالصلاة والتراتيل التي تمنحنا جزءًا من سكون الميلاد الذي حُرمنا من ضجيجه الجميل".

أما "إلياس الجلدة" (60 عامًا)، فلم يستطع إخفاء سعادته الممزوجة بالدموع وهو يصطحب عائلته للصلاة. يقول: "لم نحتفل بالعيد بمعناه الحقيقي، بل أقمنا الطقوس الدينية لنتمسك بالأمل وسط المجاعة والموت. قبل حرب الإبادة، كانت أضواء الشجرة في (جمعية الشبان المسيحية) تُنير ليل غزة كله، وكنا ننتظر التصاريح للصلاة في كنيسة المهد ببيت لحم، أما اليوم، فقد تحولت الجمعية إلى مأوى للنازحين الذين فقدوا جدرانهم، وصارت الكنائسُ أنفسُها هدفاً للقصف والمحاصرة".

وعلى الطرف الآخر من الوجع، ووسط مدينة "نصر" بالعاصمة المصرية القاهرة، يمسك "هاني فرح" (47 عامًا) هاتفه كأنه يمسك قطعةً من قلبه. يجمع أسرته النازحة حول شاشةٍ صغيرة ليشاركوا عائلتهم في غزة صلاة العيد عبر "الفيديو". يقول هاني بصوتٍ يغلبه الشوق: "هنا في مصر، تقرع أجراس الكنائس، وتزدان الشوارع، ويتبادل الناس الهدايا، لكني وأطفالي الأربعة لا نشعر بالعيد؛ فعيوننا وأرواحنا لا زالت هناك في غزة". يتنهد الأب الأربعيني بحسرة: "لم أتخيل يوماً أن يصبح العيد مجرد إشارةٍ على شاشة الهاتف، وأن يغيب الأحبة الذين قتلهم الاحتلال".

1767536788-5289-11.jpg
 

لقد طال الاستهداف الإسرائيلي رجال الدين والمعالم التاريخية، في محاولةٍ لمحو التنوع الديني الأصيل في القطاع، فاستُهدفت كنيسة "القديس بيرفيريوس"، والمستشفى المعمداني، ومدرسة راهبات الوردية، وغيرها. وأسفرت هذه السياسة الممنهجة عن استشهاد أكثر من 27 فلسطينيًا مسيحيًا، وتقلص المجتمع المسيحي في غزة من 1100 شخص إلى قرابة 600 فقط.

يخبرنا "جورج أنطون"، مدير عمليات البطريركية اللاتينية، أن الأوضاع لا تزال متوترة؛ فكنيسة دير اللاتين تقع بالقرب من "الخط الأصفر"، وأصوات الانفجارات وشظايا "الروبوتات" المفخخة لا تزال تهز جدرانها المقدسة.

ويضيف أنطون: "الميلاد اليوم هو بارقة أملٍ نتمسك بها، ونداءٌ لعالمٍ أصم، لعله يلتفت لشعبٍ يستحق أن يعيش بكرامة، وأن يحتفل بالميلاد دون خوف".

في غزة، يمنع الاحتلال التصاريح، وتغيب الأضواء الخارجية، لكن صلاة مريم وأمنيات هاني ودعوات إلياس تظلُّ شاهدًا حيًا على أن الميلاد في هذه البلاد ليس شجرةً أو هدية، بل هو معجزةُ البقاء على قيد الحب.. رغم أنف الحرب.

البوابة 24