الثورة "مرآة بوجهين"

بقلم:عائد زقوت

غالبًا لا يُكتَب التاريخ على يد المنتصرين وحدهم، بل تكتبه أيضًا الأساطير التي يختار المجتمع تصديقها، ثم يُعيد إنتاجها عبر الذاكرة الجماعية بوصفها حقائق مؤسسة للمعنى والهوية. نقف هنا أمام إحدى تلك التجارب التي جرى تصديقها وأسطرتها، وهي مشروع إقامة "دولة الله على الأرض" وفق مفهوم ولاية الفقيه، حيث تبوّأ قادتها الحكم عبر ثورة امتطت قطار القِيَم والأيديولوجيا العقدية. سوسيولوجيًا، لم يتأسس هذا المشروع على القوة وحدها، بل على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، عبر تحويل الدين من مرجعية أخلاقية مفتوحة إلى إطار سلطوي منضبط، تُعاد من خلاله صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين المقدّس والسياسي. وقد قام النظام على مزيج من آليات الضبط الناعم والخَشْن، حيث جرى بناء شرعية أيديولوجية-دينية عبر مؤسسات الخطاب والتعبئة، بالتوازي مع تفعيل أدوات القوة المؤسسية والأمنية لإدارة المجال السياسي والاجتماعي، وضمان استمرارية النظام في الداخل، مع امتدادات إقليمية ذات وظائف ردعية وسياسية. اليوم، يحاول النظام في إيران إعادة ترتيب أوراقه على عتبة ما يُسمّى بـ"النظام العالمي الجديد"، بمنطق المقايضة الصاخبة لا المراجعة البنيوية. غير أنّ السؤال التفكيكي الأعمق لا يتعلق بقدرة النظام على الصمود فحسب، بل بمدى استمرار قابلية المجتمع لإعادة إنتاج الأسطورة نفسها: هل ما زالت سردية "الشرعية المقدّسة" قادرة على تنظيم الطاعة وضبط المجال العام، أم أنّ تصدّع الوعي الجمعي بات ينزع عنها وظيفتها السوسيولوجية، ويفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين المعنى والسلطة ؟ لم تكن الثورة الإيرانية عام 1979 مجرّد حدث أطاح بنظام الشاه، بل لحظة تأسيس لشرعية سياسية استندت إلى الشارع والاحتجاج والعصيان. غير أنّ هذه الشرعية نفسها تحوّلت، مع مرور الزمن، إلى معيار انتقائي يُمنح حين يخدم السلطة ويُجرَّم حين يهددها. هكذا تبدو الثورة اليوم كمرآة بوجهين: وجهٌ يُقدَّس في الذاكرة الرسمية، وآخر يُقمع في الواقع المُعاش، ما يفتح سؤالًا جوهريًا حول معنى الثورة حين تنتقل من فعل تحرّر إلى أداة حُكم. لا يمكن فهم موقف النظام الإيراني الحالي من التظاهرات الداعية إلى إسقاطه بوصفه مجرد ردّ أمنيّ ظرفيّ، بل باعتباره تعبيرًا عن تناقض بنيوي عميق يلازم الأنظمة التي تصل إلى السلطة عبر فعل ثوري، ثم تُعيد تعريف الثورة نفسها بوصفها خطرًا وجوديًا. فالمفارقة الإيرانية لا تكمن في القمع بحدّ ذاته، بل في أنّ النظام يُواجَه اليوم بأدوات وسرديات كان هو نفسه قد استخدمها وشرعنها خلال ثورته على نظام الشاه، مع فارق جوهري هو انتقاله من موقع الفاعل الثوري إلى موقع الحارس الصارم للنظام القائم. خلال مسار الثورة، استُخدِم العنف والمواجهة المسلحة باعتبارهما وسيلة مشروعة لإسقاط نظام وُصف بالطاغوتي، وسقط على إثر ذلك آلاف الضحايا، وجرى تبرير هذا العنف بوصفه كلفة تاريخية لا بدّ منها. اليوم، يتهم النظام المتظاهرين بإثارة العنف والشغب، ويواجههم باستخدام أجهزة قسرية منظّمة، كالحرس الثوري وقوات الباسيج، مخلّفًا بدوره قتلى وجرحى. لم يتغير العنف بوصفه أداة سياسية، بل تغيّر موقع من يمارسه، وبالتالي تغيّر توصيفه الأخلاقي والقانوني، وأصبح ما كان يُعدّ بالأمس ضرورة ثورية يُصنّف اليوم جريمة تُهدد كيان الدولة. وينسحب هذا التناقض على مسألة "الدعم الخارجي"، فخلال الثورة على الشاه، تلقت المعارضة الخمينية دعمًا سياسيًا وإعلاميًا ولوجستيًا من قوى غربية كبرى، ولا سيما فرنسا التي تحولت ضاحية نوفل لوشاتو فيها إلى مركز إعلامي عالمي للثورة، فضلًا عن تعامل الولايات المتحدة وبريطانيا مع سقوط الشاه بوصفه خيارًا أقل كلفة من استمرار نظام متآكل. إذ إنّ الخطاب الرسمي يميل إلى التعامل مع كل أشكال التأثير الخارجي بوصفها تدخلًا واحدًا متجانسًا، متجاهلًا الفارق الجوهري بين دعم سياسي وإعلامي ولوجستي لحراك شعبي واسع، كما حدث عام 1979، وبين ضغوط سياسية واقتصادية تُمارَس اليوم على نظام حاكم. ففي الحالة الأولى، لم يُنشئ الخارج الثورة، بل استثمر زخمًا داخليًا قائمًا، بينما يجري في الحالة الثانية توظيف فكرة "التآمر" لنزع الطابع الداخلي عن الاحتجاجات وتحويلها إلى امتداد لصراع دولي. هذا الخلط الخطابي ليس مجرد تبسيط، بل أداة سياسية تهدف إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن الشارع، رغم اختلاف السياقين جذريًا. كما لا يستمد النظام الإيراني الحالي شرعيته من الثورة وحدها، بل من بُنية أيديولوجية دينية تقوم على نظرية ولاية الفقيه، التي ترفع السلطة من مستوى التفويض الشعبي إلى مستوى الادعاء بتمثيل الإرادة الإلهية. بهذا التحوّل، لم تَعُد المعارضة تُصوَّر كخلاف سياسي طبيعي داخل المجتمع، بل كخروج عقدي وتهديد وجودي، ما يفسر شراسة القمع وسهولة تبريره ذاتيًا، إذ يتحوّل العنف من أداة ضبط سياسي إلى واجب أخلاقي في وعي السلطة. وقد أسست الثورة ذاتها لهذا المسار حين أنشأت دولة ثيوقراطية ذات طابع أمني-ثوري، لم تكتفِ بإعادة إنتاج مؤسسات الدولة التقليدية، بل أضافت إليها أجهزة موازية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، بوظيفة صريحة هي "حماية الثورة". هذا البناء المزدوج جعل القمع ممارسة مؤسسية مستدامة، لا ردّ فعل ظرفيًا، ورسّخ فكرة أنّ بقاء النظام مرهون بحراسة دائمة للفضاء السياسي والاجتماعي، على نحو يفوق في انتظامه ومنهجيته ما كان قائمًا في عهد الشاه. ويتعاظم هذا التوتر في ظل عامل الجيل والذاكرة؛ فالنظام اليوم تقوده نُخب لم تعش الثورة بوصفها تجربة نضالية، بل ورثت سلطتها ورمزيتها، وتعاملت معها كسردية رسمية أكثر منها مرجعية حيّة. في المقابل، يواجه هذا النظام أجيالًا شابة لا تحمل الذاكرة الثورية ذاتها، ولا ترى في عام 1979 لحظة تأسيس لشرعيتها السياسية، ما يجعل علاقة السلطة بالشارع أكثر هشاشة، ويضاعف خوفها من أي حراك شعبي يُعيد تعريف الشارع بوصفه مصدرًا بديلًا للشرعية. في هذا السياق، لا يعود الصراع في إيران مجرد مواجهة بين سلطة ومحتجين، بل صراعًا على تعريف الثورة ذاتها: هل هي حقّ دائم للشعوب أم لحظة تُغلق أبوابها فور وصول أصحابها إلى الحُكم؟ وهنا تتجلى المفارقة بأوضح صورها؛ فالثورة التي لا تعترف بحق الآخرين في الثورة تتحوّل إلى نظام يخشى صورته الأولى، ويقمعها كلما انعكست في الشارع. هكذا تبقى الثورة مرآة بوجهين: أحدهما محفوظ في الذاكرة الرسمية، والآخر مكسور في الواقع السياسي، وبينهما تتحدد حدود السلطة ومعنى الشرعية.

البوابة 24