يواصل الذهب والفضة تسجيل مستويات قياسية في الأسواق العالمية، مدفوعين بمزيج معقّد من التوترات الجيوسياسية، والتحولات النقدية، وتزايد فقدان الثقة في العملات الورقية.
وبنهاية تعاملات الجمعة، بلغ سعر أونصة الذهب نحو 4,955 دولارًا، فيما وصلت أونصة الفضة إلى 98.86 دولارًا، في مشهد يعكس حالة القلق التي تهيمن على الاقتصاد العالمي.
الذهب… ملاذ تاريخي في زمن الأزمات
على مدى قرون، احتفظ الذهب بمكانته كأكثر الأصول أمانًا في فترات الاضطراب السياسي والاقتصادي. فكونه أصلًا لا يرتبط بطرف مقابل، ولا يعتمد على الجدارة الائتمانية لدولة أو شركة، يجعله خيارًا مفضلًا لدى المستثمرين والبنوك المركزية على حد سواء.
كما تتمتع سوق الذهب بسيولة عالية تتيح التداول بمئات مليارات الدولارات يوميًا دون تقلبات حادة، ما يعزز جاذبيته كأداة تحوط.
لماذا يرتفع الذهب الآن؟
خلال العام الماضي، ازداد إقبال المستثمرين على الذهب، خصوصًا عبر صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالمعدن النفيس، وذلك نتيجة عدة عوامل أبرزها:
- الحرب التجارية التي أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشعالها.
- التهديدات لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي والضغوط لخفض أسعار الفائدة.
- تصاعد التوترات الجيوسياسية في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.
القلق من تضخم الدين الحكومي وتآكل قيمة العملات.
هذه العوامل دفعت الذهب إلى تجاوز ذروته التاريخية المعدلة بالتضخم والمسجلة عام 1980، خاصة مع تصاعد المخاوف من حرب رسوم جمركية بين الولايات المتحدة وأوروبا.
العلاقة العكسية مع الدولار
يرتبط سعر الذهب تقليديًا بعلاقة عكسية مع الدولار الأميركي. فكلما تراجع الدولار، أصبح الذهب أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ما يرفع الطلب عليه.
وفي ظل هيمنة الأصول المقومة بالدولار على المحافظ الاستثمارية العالمية، يبرز الذهب كأداة فعالة للتحوط من تقلبات العملة الأميركية.
أسعار الفائدة والتضخم… عامل الحسم
الذهب لا يدرّ عوائد، لذا تزداد جاذبيته عندما تنخفض أسعار الفائدة، حيث تتراجع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به.
ويراهن المستثمرون حاليًا على أن الإدارة الأميركية المقبلة ستدفع نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا، خصوصًا مع اقتراب تعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي، ما يعزز توقعات استمرار ارتفاع الذهب.
الطلب الشعبي… الهند والصين في الصدارة
لا يقتصر اقتناء الذهب على المستثمرين فقط، بل يُعد جزءًا أصيلًا من الثقافة الاقتصادية في الهند والصين.
وتُقدّر حيازات الأسر الهندية من الذهب بنحو 25 ألف طن، أي أكثر من خمسة أضعاف مخزون الولايات المتحدة في فورت نوكس.
وعادةً ما يساهم الطلب على المجوهرات في امتصاص الصدمات السعرية، إذ يلجأ المشترون التقليديون إلى الشراء عند أي تراجع، ما يدعم استقرار الأسعار.
لماذا تكدّس البنوك المركزية الذهب؟
منذ بداية 2024، لعبت البنوك المركزية دورًا محوريًا في دفع الأسعار للصعود، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة التي تسعى لتقليل اعتمادها على الدولار.
وجاءت هذه السياسة بعد تجميد الأصول الروسية عقب حرب أوكرانيا، ما كشف هشاشة الاحتياطيات المقومة بالعملات الأجنبية.
وواصل بنك الشعب الصيني شراء الذهب للشهر الرابع عشر على التوالي حتى ديسمبر 2025، في إشارة واضحة إلى التحول الاستراتيجي نحو الأصول المادية.
ما الذي قد يوقف صعود الذهب؟
رغم الزخم القوي، فإن أسعار الذهب ليست محصنة من التراجع، وقد تتأثر بعدة سيناريوهات، أبرزها:
ارتفاع قوي في قيمة الدولار الأميركي.
خفض كبير في الرسوم الجمركية الأميركية وتهدئة الحرب التجارية.
التوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا.
تراجع حدة التوترات الجيوسياسية عالميًا.
انخفاض وتيرة مشتريات البنوك المركزية أو لجوء بعضها للبيع بعد تجاوز النسب المستهدفة للاحتياطيات.
هل يشكل الذهب عبئًا على المستثمرين؟
رغم مزاياه، فإن الذهب أصل مادي مكلف نسبيًا، إذ يتحمل المستثمرون نفقات التخزين والتأمين والنقل.
كما تؤدي الفروقات بين معايير السبائك عالميًا إلى اختناقات في سلاسل الإمداد، كما حدث مطلع 2025 عندما تسببت مخاوف الرسوم الجمركية الأميركية في اندفاع عالمي لنقل الذهب وإعادة صهره لتلبية مواصفات بورصة كومكس.
خلاصة
يبقى الذهب مرآة صادقة لحالة القلق العالمي. وكلما زادت الشكوك حول الاستقرار السياسي والنقدي، واصل المعدن النفيس صعوده.
لكن أي انفراج سياسي أو نقدي كبير قد يكون كفيلًا بكبح هذا التحليق… ولو مؤقتًا.
