احتلال إيران: طهران تحت الإدارة الرقمية الصامتة

بقلم: د. نهاد رفيق السكني

يشهد العالم اليوم ولادة نمط جديد من "الإدارة الدولية". بدأ تطبيقه في غزة بعد عامين من الدمار الشامل، ويبدو أنه نموذج محتمل لإيران، لكن هذه المرة بحجم سكانها ومواردها ونفوذها الإقليمي. لم يعد العالم يُدار بالأفكار وحدها، بل بالخوارزميات وقواعد البيانات. مركز الثقل لم يعد في القيمة أو النقاش، بل فيما تسمح لنا الأنظمة برؤيته، وفي ترتيب عرضه، وفي توقيت وصوله إلى وعينا. نحن لا نختار ما نراه، ولا ما نغضب له، ولا حتى ما ننساه. كل شيء يُقترح علينا بلطف مخيف، حتى آراؤنا صارت «مقترحات»—اقتراحات تُفرض بالتكرار، بالإغراء، وبوهم الحرية. السيطرة لم تعد دبابة أو سجنًا، ولا تحتاج إلى حارس. صارت إشعارًا صغيرًا، فيديو ثلاثون ثانية، وخوارزمية تعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك: تعرف متى تضعف، متى تخاف، متى تمل، ومتى تكون مستعدًا للتصديق. صمتها يخدعك، يجعل منك من يظن أنه اختار الطريق. أحاول أن أكتب عن هذا العالم: عن الإنسان حين يتحول إلى «بيانات»، وعن الوعي حين يُستبدل بالتفاعل، وعن القيمة حين تُقاس بعدد المشاهدات. لكن أحيانًا يتوقف القلم. ليس لأن الفكرة هربت، بل لأن الإحساس أكبر من اللغة. هناك وجع في إدراك أن الإنسان لم يعد يُخاطَب بوصفه عقلًا أو ضميرًا، بل كملف وسجل قابل للتنبؤ. لحظة الشك هنا ليست ضعفًا، بل حاجز أخير أمام التسليم الكامل. قد يبدو الأمر طبيعيًا، وأن الخلل فينا لا في النظام، لكن المشهد لا يبعث على الاطمئنان: نُساق بهدوء، نبتسم، نضغط «إعجاب»، ونظن أننا أحرار. احتلال إيران الصامت إيران اليوم تحت نوع من الاحتلال الأمريكي–الإسرائيلي غير المعلن. ليس دبابات على الشوارع، بل هيمنة على القرار، على الاقتصاد، وعلى الحدود نفسها. لم يعد السؤال ما يمكن قصفه، بل: من سيتحمل عبء الإدارة؟ الولايات المتحدة تبحث عن طرف يدير طهران، يضبط الداخل، ويتحمل كلفة الانهيار، دون أن تظهر واشنطن في الواجهة. أما إسرائيل، فدورها التذكير المستمر بالحدود المسموح بها، والتدخل عند الحاجة. ما يجري اليوم يشبه العراق بعد 2003، أو دول أمريكا اللاتينية في الحرب الباردة: يُسقط السقف، ثم تُترك النخب المحلية لتحمل الغضب والفشل. الفرق أن الاحتلال اليوم رقمي وصامت: يكفي كسر القدرة على القرار، حصار الاقتصاد، وتفريغ المجال العام من أي فعل مستقل. إيران تُدار بمنظومة خوارزمية كاملة: أسواق تخنق العملة، منصات تعيد ترتيب الغضب والخوف، معلومات ترفع صوتًا وتخفت آخر. حتى الاحتجاج الشعبي صار ضمن هذا الإطار: يُضخّم حين يخدم الرسالة، ويُخفّض حين يخرج عن النص. النتيجة: دولة عاجزة، محملة وحدها مسؤولية الفشل، تمامًا كما وُضع العالم على مسار الطيران الآلي. نحن نُساق بهدوء، نبتسم، نضغط «إعجاب»، ونظن أننا أحرار. ربما هذا هو الهدوء الذي يسبق تثبيت العالم على وضع الطيران الآلي. عالم يُدار من فوق، بينما من في الداخل يتحركون ويستهلكون ويعلقون، دون أن يشعروا متى فقدوا أيديهم عن المقود. هذا ليس مقالًا عن الخوف، بل عن الوجع: وجع إدراك أن الصوت يبهت، وأن الكتابة نفسها صارت فعل مقاومة هادئة. ولهذا، الكتابة تبقى واجبًا لا خيارًا—صوتنا الأخير في مواجهة صمت العالم. www.fb.com/elsakany

البوابة 24