كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن قضية أمنية حسّاسة تتعلّق بشبكة واسعة ومتشعّبة لتهريب السلع من داخل إسرائيل إلى قطاع غزة، تضم في طياتها مجموعات إجرامية، ومستوطنين، وحتى جنودًا في الخدمة النظامية والاحتياط.
وذكرت القناة 13 الإسرائيلية، الثلاثاء، أن محكمة “الصلح” في مدينة عسقلان سمحت بالنشر الجزئي حول طبيعة القضية، مع الإبقاء على أمر حظر النشر المفروض على تفاصيلها حتى تاريخ 10 شباط/فبراير المقبل، نظرًا لحساسيتها الأمنية.
وأوضحت القناة أن التحقيق يجري بإشراف جهاز “الشاباك” ووحدة التحقيقات التابعة للشرطة الإسرائيلية في المنطقة الجنوبية.
وبحسب التقرير، فإن المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهراف-ميارات، إلى جانب كبار المسؤولين في النيابة العامة، على اطّلاع كامل بمجريات التحقيق وتفاصيله، لما يحمله من تداعيات أمنية وسياسية محتملة.
وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة “هآرتس” عن مصادر في قيادة المنطقة الجنوبية لجيش الاحتلال إقرارها بوجود “اختلالات خطيرة” في منظومة الرقابة على المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، ما أدى إلى تدفّق واسع للبضائع المهرّبة من داخل إسرائيل. ووفق تقديرات عسكرية، “بات القطاع مفتوحًا بالكامل أمام التهريب”.
وأفاد مسؤولون عسكريون للصحيفة بأن الأشهر الأخيرة شهدت دخول سلع مرتفعة الثمن إلى غزة، من بينها هواتف ذكية متطورة، وحواسيب محمولة، ومركبات ودراجات نارية، وحتى وسائل قتالية. وأكدوا أن معظم هذه المواد لم تدخل عبر الحدود مع مصر، بل وصلت من داخل إسرائيل نفسها، مستفيدة من ثغرات الحراسة وضعف الإشراف على نقاط العبور.
وتشير شهادات من داخل جيش الاحتلال إلى أن الشبهات لا تقتصر على شبكات إجرامية منظّمة، بل تمتد لتشمل مستوطنين يعملون في مشاريع داخل القطاع، مثل مقاولي وزارة الجيش، وسائقي شاحنات، وعمال بنى تحتية، إضافة إلى جنود في الخدمة النظامية والاحتياط. ونقل عن ضابط رفيع قوله إن “الدخول والخروج يتم أحيانًا من دون تفتيش فعلي، ولا أحد يتحقق مما تحمله الشاحنات أو من منسّقي العبور”.
وبحسب تقديرات قيادة المنطقة الجنوبية، فإن جزءًا من عمليات التهريب يتم عبر معابر رسمية وبغطاء تنسيقي، بما في ذلك شاحنات المساعدات الإنسانية، بينما يجري جزء آخر عبر فتحات في السياج، ونقاط غير مراقبة، واستخدام طائرات مسيّرة. وتُشتبه مجموعات إجرامية بلعب دور محوري في إدارة هذه المسارات.
ونقل جنود عن انتشار سلع داخل غزة مثل الكحول والسجائر والمركبات رباعية الدفع، تُباع بأسعار تفوق بكثير أسعارها داخل إسرائيل.
وقال مصدر أمني مطّلع: “لم يعد الأمر حوادث فردية، بل منظومة تُدار بأموال طائلة. كل ما لا يمكن إدخاله رسميًا ويجد طلبًا في غزة، يصل عبر هذه القنوات”. وتساءل ضابط آخر: “كيف تملك حماس اليوم زيًا جديدًا؟”.
وزعمت “هآرتس” أن شاحنات دخلت إلى غزة ولم تعد إلى إسرائيل، كما عُثر داخل القطاع على مركبات تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية من دون أي توثيق رسمي لدخولها.
ووفق تقديرات الجيش، يفضّل المهرّبون ترك المركبات داخل غزة لتفادي الانكشاف عند العودة. وقال ضابط في القيادة الجنوبية: “أحيانًا يتم إحراق الشاحنة وعدم إعادتها، لأن حجم الأرباح يجعل ذلك مجديًا”.
وعلى خلفية هذه التطورات، أصدر قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال، اللواء ينيف عسور، تعليمات بتوسيع نشاط الشرطة العسكرية لفحص فرضية تورّط جنود ومتعاونين مع الجيش في عمليات التهريب، إلى جانب تعزيز التنسيق مع الشرطة الإسرائيلية.
ورغم إعلان الجيش أنه نقل معلومات للشرطة حول شبكات إجرامية إسرائيلية متورطة في التهريب، تشكو قيادة المنطقة الجنوبية من ضعف إنفاذ القانون. وقال ضابط رفيع: “هؤلاء مواطنون إسرائيليون، والجيش مقيّد في التعامل الجنائي معهم”.
في المقابل، يرى مسؤولون أمنيون آخرون أن تحميل الشرطة المسؤولية لا يعدو كونه محاولة للتغطية على فشل داخلي، مؤكدين أن “قيادة المنطقة الجنوبية فقدت السيطرة على المعابر، وهذه في الأساس مشكلة الجيش”.
