في تخاريف الخلافات بين واشنطن وتل أبيب

بقلم : د. أماني القرم

عندما سئل " ووالتر راسل ميد" أحد أهم المفكرين الاستراتيجيين الحاليين في الولايات المتحدة حول أهمية الخلافات بين واشنطن وتل أبيب في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان وايران، أكد على جوهر العلاقات النفعية الأمريكية الإسرائيلية قائلا: " لم تكن المصالح الاستراتيجية الامريكية الإسرائيلية متفقة كما هي الان .. أمريكا تريد إسرائيل قوية وألا تهزم في غزة أو لبنان أو ايران.. هي لا تعطي إسرائيل أسلحة للحرب بدافع الخير، أو الشرّ وإنما لأنّها تريد لاسرائيل أن  تنتصر وأن تبقى قوية! ".

ولاشك أن إسرائيل تقوم بالعمل في الشرق الأوسط نيابة عن الولايات المتحدة، لكن المسألة لا تقف عند حد الوكالة، فهي تسعى الى ما هو أبعد من ذلك بكثير. مؤخراً انضمت إسرائيل الى تحالف تقوده الولايات المتحدة ويسمى "باكس سليكا /Pax Silica  ". وهو كما تقول وزارة الخارجية الامريكية تحالف للأمن الاقتصادي مصمم لعصر الذكاء الاصطناعي المعتمد على الرقائق الالكترونية ، ويضم عدداً من الدول التي تسيطر على قطاعات الانتاج التكنولوجية المتقدمة.  ولأن الرقائق هي السلاح الاستراتيجي الاقتصادي والسياسي في عالم تتغير فيه موازين القوى نحو من يحتكر صناعتها، فإن مهمة هذا التحالف تعني تشكيل وتحديد السياسة الاقتصادية والأمنية العالمية. يشبه المسئولون الامريكيون تحالف الباكس سيليكا بأنه كمجموعة " السبع " الحالية التي تتحكم في سياسات الاقتصاد الدولي والأمن خلال القرن العشرين وحتى اليوم. وأتوقع أن المستقبل القريب جدا سيغيب عنه اجتماعات مجموعة السبع ليحل الباكس سيليكا محله في القيادة الاقتصادية.  وبانضمام إسرائيل للتحالف الناشئ فهي:

تضمن لنفسها مقعدا على الطاولة التي تنظم المشهد الاقتصادي العالمي، وبالتالي ترسيخ مستقبلها السياسي في إطار الحليف الأمريكي وما يترتب عليه من تجاوز أية معوقات أو عقوبات باعتبارها دولة محتلة . 

تحالف "الباكس سيليكا" يقسم العالم قسمين: الحلفاء والعملاء. الحلفاء هم البنى التحتية ( الدول المشاركة الرائدة تكنولوجيا) التي ستتمتع بعلاقات وطيدة مع بعضها البعض تكاملية ومالية وأمنية وبالطبع سياسية، أما العملاء فهم باقي الدول التي تشتري المنتجات. وحيث أن اسرائيل باتت من ضمن هذه البنى التحتية العابرة للحدود فهي ترمي الى تعزيز وجودها كقوة اقليمية دون الحاجة الى الجيران واستحقاقات التطبيع!    

تتموضع إسرائيل كقاعدة عالمية جاذبة للاستثمار المالي. كل دولة في تحالف الباكس سيليكا منوط بها مهمة تضمن التكامل والتنسيق مع باقي الدول في المجموعة. فقبل يومين تم الاتفاق بين واشنطن وتل ابيب على إنشاء مركز عالمي تكنولوجي بمساحة 16 ألف دونم/ إيجار لمدة 99 عاما تحت ادارة واستثمار أمريكي وبشراكة اسرائيلية. ومن المقرر أن يقام في محيط غلاف غزة والنقب باسم " fort foundry one  " من أجل تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق الإلكترونية للأغراض العسكرية والمدنية . ولأن هذه الصناعات المتقدمة تتطلب احتياجات هائلة من الطاقة والكهرباء فإن الاتفاق تحدث عن إمكانية إنشاء مفاعل نووي!

ومازالوا يفردون صفحات من التحليلات حول خلافات بين البلدين ومازلنا نطلق شعارات عفا عليها الزمن ...

البوابة 24