الدولار الضعيف، هندسة ترامب العكسية للعولمة: كيف يريد ترامب أن يجعل سيارة «فورد» بـ10 آلاف دولار؟
بقلم: د. نهاد السكني
لم تكن سياسات دونالد ترامب الاقتصادية مجرد ردود أفعال انفعالية أو شعارات انتخابية، بل استندت إلى معادلة اقتصادية محسوبة تهدف إلى إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي من جذوره، حتى وإن كان الثمن اضطرابات مؤقتة واسعة النطاق. أولًا: الدولار… السعي إلى «تنافسية قسرية» يرى ترامب أن قوة الدولار المفرطة تمثل ضريبة خفية على التصنيع الأمريكي؛ إذ تجعل الصادرات أغلى ثمنًا، والواردات أرخص، ما يضر بالمنتِج المحلي. في مطلع عام 2026، هبط مؤشر الدولار (DXY) إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين، متراوحًا بين 92 و94 نقطة في أواخر يناير، تحت ضغط تصريحات متكررة من البيت الأبيض وإشارات واضحة من وزارة الخزانة تُشجّع على ضعف العملة نسبيًا. الهدف كان واضحًا: تقليص العجز التجاري عبر جعل المنتجات الأمريكية أكثر جاذبية في الأسواق الخارجية. هذا التوجه يُعد انحرافًا جذريًا عن عقود من السياسة الأمريكية التقليدية التي اعتبرت «الدولار القوي» أحد أعمدة الهيمنة المالية العالمية. ثانيًا: التعرفات الجمركية… من أداة حماية إلى سلاح استراتيجي حوّلت إدارة ترامب التعرفة الجمركية من أداة دفاعية محدودة إلى سلاح تفاوضي شامل. في عام 2025، ارتفع متوسط التعرفة الفعلية على الواردات إلى نحو 26–27%، وهو أعلى مستوى منذ أواخر ثلاثينيات القرن الماضي. مع الصين: بلغت الرسوم في بعض القطاعات أكثر من 100%، لا سيما في السيارات الكهربائية، والبطاريات، والرقائق المتقدمة. ورغم الرد الصيني بتعريفات انتقامية، حققت بكين فائضًا تجاريًا قياسيًا مع الولايات المتحدة تجاوز 420 مليار دولار في 2025. مع الحلفاء: لم تسلم كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية. فُرضت رسوم على الصلب والألمنيوم والسيارات والمنتجات الزراعية، ما دفع شركات عالمية كثيرة إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد والتوجه للاستثمار داخل الولايات المتحدة لتفادي الرسوم. الرسالة كانت صريحة: «إما أن تُصنّع في أمريكا… أو تدفع ثمن الوصول إلى أكبر سوق استهلاكي في العالم»، حتى يصبح بيع سيارة «فورد» أمريكية بسعر 10 آلاف دولار هدفًا ممكنًا، لا شعارًا دعائيًا. ثالثًا: النتائج الفعلية بالأرقام (حتى يناير 2026) إعادة التوطين الصناعي: ازداد عدد المصانع الجديدة أو الموسعة في قطاعات الرقائق، والسيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، خصوصًا في ولايات «حزام الصدأ» مثل أوهايو، وبنسلفانيا، وميشيغان، وإنديانا. التضخم المستورد: قدّرت دراسات اقتصادية (من معهد بيترسون وغيره) أن التعريفات رفعت كلفة المعيشة على الأسرة الأمريكية المتوسطة بما بين 2600 و3800 دولار سنويًا خلال 2025–2026. التوظيف: تحسّن التوظيف في قطاع التصنيع المحلي، لكن في المقابل تعرضت قطاعات تعتمد على الواردات الرخيصة—كالملابس، والإلكترونيات الاستهلاكية، وقطع غيار السيارات—لضغوط واضحة. إيرادات الخزانة: جمعت الولايات المتحدة أكثر من 190 مليار دولار من الرسوم الجمركية في السنة المالية 2025، مع توقعات بتجاوز 220–250 مليار دولار في 2026 إذا استمرت السياسة بالزخم نفسه. واخيرا سياسة «أمريكا أولًا» ليست مجرد حماية اقتصادية، بل محاولة لإعادة هندسة سلاسل التوريد العالمية بالكامل. يستخدم ترامب حجم السوق الأمريكي كـ«عصا وجزرة» في آن واحد: الجزرة هي الوصول إلى 340 مليون مستهلك، والعصا هي التعريفات الباهظة والضغط على العملة. النتيجة حتى الآن: نجاح جزئي في إعادة بعض التصنيع إلى الداخل، مقابل تكلفة تضخمية مرتفعة، واضطراب في العلاقات التجارية، وارتفاع كبير في إيرادات الدولة. السؤال الأهم يبقى: هل يمكن لهذه السياسة أن تستمر طويلًا دون أن تقود إلى ركود أو إلى ردود فعل دولية تُقسّم الاقتصاد العالمي إلى كتل متصارعة؟ الإجابة ستتضح خلال السنوات القليلة القادمة.
