غزة/ سماح شاهين
أمضت مريم القيشاوي يومًا صعبًا أمام أحد فروع بنك فلسطين في منطقة السرايا، عندما كانت تحاول إعادة تفعيل حسابها البنكي الذي جُمّد إبّان الحرب.
في صباح ذلك اليوم، وصلت مريم إلى البنك لإنجاز معاملتها، وإذ بشبابٍ يؤدون مهمةً تُدعى "بيع الأدوار"، وذلك بأسعار باهظة تصل إلى مئتي شيكل، حاولت الانتظار وكذلك تخفيض السعر، لكن الوقت كان يداهمها، واضطرت في نهاية المطاف لقبول فكرة "شراء الدور" بمبلغ 150 شيكلاً، كما تقول.
بدت منزعجةً وهي تحكي لـ"نوى": "عندما حان دوري، كانت الساعة قد شارفت على الثانية والنصف بعد الظهر، وهو موعد إغلاق البنك، فيما لم أتمكن من الدخول لإنهاء معاملتي. شعرت بالغضب، لقد دفعتُ مبلغًا كبيرًا لقاء دورٍ لم أتمكن من الاستفادة منه".
هذا الموقف أرغمها على اتخاذ خطوةٍ استباقية في اليوم التالي، بالتوجّه إلى البنك قبل ساعاتٍ من فتحه، تحديداً الساعة السادسة صباحًا، لتجنبِ شراءِ دورٍ آخر أو الانتظار لوقت طويل، تضيف: "أيقنتُ أن الحلَ الوحيد هو الوصول باكراً، حتى أتمكن من إنهاء معاملتي دون الحاجة لدفع مبلغٍ آخر أو البقاء عالقةً في الدور المزدحم".
تجربة مريم تعكس واقعًا مأساويًا يعيشه سكان غزة، بعد أن خرجت الإجراءات الروتينية اليومية عن السيطرة بسبب الحرب والأزمة الاقتصادية، وبات إتمام المعاملات البسيطة في المؤسسات الرسمية تحديًا كبيرًا، خصوصًا مع ظهور المستغلين لهذه الظروف القاهرة ببيعهم الأدوار بأسعارٍ مرتفعة.
وتأسف لما آل إليه الحال في غزة، بقولها: "المعاناة اليومية لا تتوقف عند المنازل أو المدارس، بل تمتد إلى أبسط الأمور ومنها المعاملات البنكية، وهذا يُثقل كاهل المواطن بعبءٍ "لا هو على البال ولا الخاطر"- حسب تعبيرها- بينما كل ما يسعى إليه المسكين تأمينَ حقوقه الأساسية".
استغلال حاجة الناس
يعمل عامر مسلم مُصمماً عن بُعد، وقد حدث معه "فصلٌ مشابه" عندما توجّه لاستلام راتبه الشهري بعد توقف حسابه البنكي لعامٍ كامل جرّاء الحرب.
بمجرد أن علمَ عامر بفتحِ البنك الذي يتعامل معه أبوابه من جديد عقب وقف إطلاق النار، هرعَ إلى فرعه في مدينة دير البلح وسط القطاع غزة، لكنه فوجئ بطابورٍ لا أول له ولا آخر، إذ لم يتوقع كل هذه الأعداد التي تنتظرُ بفارغِ الصبر الدخول لإنهاء المعاملات.
يقول لـ"شبكة نوى": "كان واضحًا أن انتظاري سيستغرق ساعات طويلة، ما دعا أحد المُصطّفين لنصحي بشراء دورٍ لدخول البنك مباشرة، أو العودة في يوم آخر وانتظار طابور جديد".
ولأنه كان يرغب في إنهاء معاملته في أسرع وقتٍ ممكن، قرَّر عامر شراءَ دورٍ سعره 250 شيكلاً، مما مكّنه أخيراً من الدخول وإتمام معاملته البنكية، لكنه لم يُخفِ استياءه من هذا الواقع، واصفًا بيع الأدوار بأنه "استغلالٌ لحاجة الناس، في وقت يعاني فيه المواطنون من آثار الحرب على حياتهم اليومية".
ويرى أن اللجوء لهذه الطريقة يزيد من الضغط النفسي والعبء المادي على المواطنين، ويحوّل أبسطَ المعاملات إلى تجربةٍ شاقةٍ ومكلفة، خصوصًا مع الظروف الاقتصادية الصعبة، وغياب التنظيم الكافي داخل فروع البنك.
مصدر دخلٍ منقذ
ومن أمام فرع بنك فلسطين في دير البلح، يبرّر (ر.ح) الذي رفض الكشف عن اسمه، قيامه بـ"بيع الدور"، من باب تحسين وضعه الاقتصادي بعد أن أنهكته الحرب وفقدَ كل ما يملك، إضافةً إلى فرص العمل المعدومة.
هذا الشاب خرّيج إدارة الأعمال، استلهم الفكرة من صديقه الذي سبقه في المهنة، كما يقول. مضيفاً لـ "نوى": "عندما رافقته تمكنتُ من جني مالٍ مقداره 700 شيكل في اليوم الواحد".
ومن وجهة نظره، أن مشهداً من هذا النوع يعكس حجم الضغط الذي تواجهه شرائح واسعة من سكان غزة، حيث تتحول أبسط المعاملات اليومية، مثل انتظار الدور في البنك، إلى وسيلةٍ لكسب الرزق، حتى وإن كانت خارج الإطار القانوني أو التنظيمي المعتاد.
أزمةٌ ترتبط بالضغط
بدوره، يقول ربيع دويكات رئيس دائرة اتصال المؤسسات والعلاقات العامة في بنك فلسطين في رام الله، إن أزمة "بيع الأدوار" أمام فروع البنك في قطاع غزة، ترتبط ارتباطاً مباشراً بالضغط الهائل على الفروع المحدودة التي أُعيد عملُها بعد الحرب.
ويوضح دويكات لـ"شبكة نوى": "لدينا ستة عشر فرعًا في قطاع غزة، لكن معظمها تضرر من جرّاء الحرب، وقد تمكنا من فتح ثلاثة فروعٍ فقط، ما يعني أن الضغط الذي كانت تستوعبه الفروع كاملةً، بات يتوزع على ثلاثة، ما تسبّب في ازدحامٍ كبير أمامها".
وعن دور الشركة الأمنية في هذا الصدد، ذكرَ دويكات أن مهمتها تنحصر في تنظيم الأدوار، وحل الخلافات بين المواطنين، وإدارة بعض الشؤون الإدارية المتعلقة بالدخول، مؤكّدًا أنها "لا علاقة لها بمن يبيع الدور أو من يختار الاستغناء عنه".
ويعقّب: "بيعُ الأدوار هو أمرٌ يقرره البائع والمشتري فحسب، ونحن لا نتدخل في ذلك بأي شكل".
ويفيد أن أزمة الأدوار وبيعها تقلّصت نسبيًا مقارنة بالفترة السابقة، نظراً للجهود المبذولة في تنظيم العمل داخل الفروع وتسهيل إجراءات الدخول، ملفتًا إلى أن الضغطَ ما زال قائمًا، لكثرة الخدمات المطلوبة من المواطنين بعد سنواتٍ الحرب والنزوح.
ويعمل البنك حالياً على تحسين التنظيم، وتخفيف العبء عن المواطنين قدر الإمكان. لكن، تبعاً لحديث دويكات، لا يمكن للبنك وحده حل جميع المشاكل التي نتجت عن الدمار الهائل، مع الحاجة المُلّحة للخدمات البنكية في غزة، منوهاً أنه في هذه الفترة تجري أعمالُ صيانةٍ داخل "فرع النصر" للتخفيف عن الناس وتسهيل معاملاتهم البنكية.
