قانون الأحزاب الفلسطيني في ظل الاحتلال: بين منطق الدولة وضرورات التحرر الوطني قراءة قانونية مقارنة في ضوء تجارب حركات التحرر وتعقيبًا على أطروحة “قانون أحزاب بلا فصائل” بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يعود الجدل مجددًا حول مشروع قانون الأحزاب الفلسطيني، في توقيت سياسي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه حرب الإبادة المستمرة على غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية، مع ضغوط سياسية دولية لإعادة “هندسة” النظام السياسي الفلسطيني. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمة سنّ قانون أحزاب بالمعنى الكلاسيكي في ظل احتلال عسكري استيطاني لم ينتهِ بعد، وحول ما إذا كان هذا التوجه يُمثّل خطوة إصلاحية، أم مسارًا يفضي إلى تفكيك البنية النضالية الفلسطينية تاريخيًا وسياسيًا. وتكتسب هذه الأسئلة أهميتها في ضوء ما طرحه الكاتب والباحث والمفكر بكر أبو بكر، رئيس أكاديمية حركة فتح وعضو المجلس الثوري السابق، في مقالته اللافتة “قانون أحزاب بلا فصائل”، التي قدّمت تشخيصًا عميقًا لمخاطر نقل نموذج الدولة المستقلة إلى واقع لم يُنجز بعد شروط الاستقلال. أولًا: الحزب السياسي في الفقه الدستوري – المفهوم والسياق في الفقه الدستوري المقارن، يُعرّف الحزب السياسي بأنه تنظيم دائم يعمل على الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها عبر الانتخابات، ضمن دولة ذات سيادة، ودستور نافذ، ونظام قانوني موحد. وبالتالي، فإن قانون الأحزاب هو أداة لتنظيم التنافس السياسي داخل الدولة، لا لتنظيم الصراع ضد الاحتلال أو إدارة مرحلة تحرر وطني غير مكتملة. من هنا، يبرز التناقض البنيوي في الحالة الفلسطينية: فالسلطة الفلسطينية ليست دولة مستقلة، والسيادة منقوصة، والاحتلال ما زال يفرض سيطرته العسكرية والأمنية والاقتصادية، بما يجعل استنساخ قوانين الأحزاب من تجارب الدول المستقرة نقلًا شكليًا للنموذج دون مضمونه التاريخي والسياسي. ثانيًا: “قانون أحزاب بلا فصائل” – تشخيص دقيق لمأزق سياسي تُصيب أطروحة بكر أبو بكر جوهر الإشكال حين تشير إلى أن سنّ قانون أحزاب في ظل الاحتلال لا يعني تنظيم الحياة السياسية بقدر ما يعني إعادة تعريف الفاعلين السياسيين وفق شروط جديدة تُفرغهم من مضمونهم النضالي. فالفصائل الفلسطينية لم تنشأ بوصفها أحزابًا انتخابية، بل كتنظيمات تحرر وطني، تحمل رواية فلسطين التاريخية، وتمثل الشعب الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات. وعليه، فإن إخضاع هذه الفصائل لقانون أحزاب تقليدي يفرض عليها: قطعًا مع تاريخها وأديباتها، إعادة تأسيس قانوني ومالي وتنظيمي كامل وحصر نشاطها في الجغرافيا الخاضعة للسلطة، وتقييد خطابها وأدواتها بما لا يتعارض مع “قانون النظام العام”. وهنا، لا يكون القانون محايدًا، بل يتحول إلى أداة سياسية لإعادة تشكيل المشهد الوطني. ثالثًا: التجربة المقارنة – كيف تعاملت حركات التحرر مع مسألة التحزب؟ تُظهر التجارب التاريخية لحركات التحرر الوطني حقيقة قانونية وسياسية واضحة: المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) في جنوب أفريقيا لم يُجبر على التحول إلى حزب خاضع لقوانين نظام الأبارتهايد، بل ظل حركة تحرر حتى سقوط النظام العنصري، ثم دخل الحياة الحزبية بعد الاستقلال. جبهة التحرير الوطني الجزائرية لم تُنظم كحزب سياسي أثناء الثورة، بل كإطار تحرري شامل، ولم يُفتح النقاش الحزبي إلا بعد الاستقلال. منظمة سوابو في ناميبيا اعترف بها المجتمع الدولي ممثلًا شرعيًا للشعب، وتحولت إلى حزب سياسي فقط بعد إنهاء الاحتلال. هذه التجارب تؤكد أن التحزب كان نتيجة للاستقلال، لا شرطًا له. رابعًا: الحالة الفلسطينية في ميزان القانون الدولي تتمتع القضية الفلسطينية بوضع قانوني خاص: منظمة التحرير الفلسطينية معترف بها دوليًا ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني. الشعب الفلسطيني ما زال يتمتع بحق تقرير المصير وفق القانون الدولي. الاحتلال قائم، والاستيطان مستمر، والقدس محتلة. وبالتالي، فإن أي قانون داخلي: يُقيّد التنظيمات الوطنية، أو يُجرّدها من وظيفتها التحررية،أو يحصر نشاطها في نطاق سلطوي ضيق، يصبح في تعارض واضح مع حق الشعوب الخاضعة للاحتلال في تنظيم نفسها ومقاومة الاحتلال بكافة الوسائل المشروعة. خامسًا: المخاطر السياسية والقانونية لقانون أحزاب في هذه المرحلة من منظور قانوني وواقعي، فإن المضي في سنّ قانون أحزاب في ظل الاحتلال قد يؤدي إلى: تجريم المقاومة الشعبية السلمية بوصفها خروجًا عن العمل الحزبي. إقصاء اللاجئين والشتات من الحياة السياسية المنظمة. تكريس الفصل بين الداخل والخارج بصورة قانونية دائمة. تحويل الفصائل إلى كيانات إدارية منزوعـة المشروع التحرري. مواءمة النظام السياسي الفلسطيني مع اشتراطات دولية لا مع مقتضيات النضال الوطني. وهو ما يجعل هذا التوجه، عمليًا، إدارة للأزمة لا معالجة لها. سادسًا: البديل الواقعي – التنظيم السياسي في مرحلة التحرر البديل ليس في رفض التنظيم أو الانتخابات، بل في اختيار الصيغة القانونية الملائمة للمرحلة، عبر: الإبقاء على الفصائل والتنظيمات كأطر تحرر وطني.والسماح بإنشاء قوائم انتخابية أو أذرع سياسية داخلية لخوض الانتخابات.والإبقاء على منظمة التحرير الفلسطينية مرجعية جامعة. تأجيل قانون الأحزاب بالمعنى الكلاسيكي إلى ما بعد إنجاز الاستقلال. بهذه الصيغة، لا يُلغى النضال، ولا تُختزل فلسطين في جغرافيا منقوصة، ولا يُجرّد الشعب من أدواته السياسية والتاريخية. وعليه ووفق كل ذلك فإن سنّ قانون أحزاب في ظل الاحتلال، دون إنجاز الاستقلال، ودون تحرير القدس، ودون حل عادل لقضية اللاجئين، لا يمكن اعتباره إصلاحًا ديمقراطيًا مكتمل الأركان، بل خطوة إشكالية قد تُفضي إلى تفكيك ما تبقى من المشروع الوطني. ففلسطين، حتى هذه اللحظة، ليست دولة تبحث عن تنظيم أحزابها، بل قضية تحرر وطني تبحث عن استكمال حريتها. وهذا ما يجعل التحذير الذي أطلقه بكر أبو بكر في “قانون أحزاب بلا فصائل” تحذيرًا سياسيًا وقانونيًا في آن واحد، يستحق التوقف الجاد عنده قبل الإقدام على أي تشريع قد يُغيّر طبيعة الصراع لا لصالح الشعب الفلسطيني.
