حين يصبح العلاج حلمًا مؤجَّلًا.. مأساة مرضى السرطان في غزة

غزة/ إسلام الأسطل:

على سريرٍ متهالك في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، يرقد رائد غنيم كمن يفاوض الهواء على حقّه في الدخول إلى رئتيه. منذ عام 2002م وهو يصارع ورمًا سرطانيًا في الحنجرة والأحبال الصوتية، ويتنقّل بين جلسات العلاج الكيماوي والإشعاعي، ويتمسّك بأملٍ كان يكبر أحيانًا ويخبو أحيانًا أخرى.

مع اندلاع حرب الإبادة وما رافقها من نزوحٍ وانهيارٍ في المنظومة الصحية، تدهورت حالته على نحوٍ متسارع، في ظل نقص الأدوية والمستهلكات الطبية، حتى صار النَفَس نفسه أشبه بمعركةٍ يومية.

يقول ابنه، المرافق الدائم لسريره: "لم يعد والدي قادرًا على التنفس بشكل طبيعي، ولا حتى على شرب كأس ماء. اضطر الأطباء إلى فتح ثقبٍ في حنجرته لمساعدته على التنفس، وهو إجراء يتطلب تغيير الأنبوب الطبي شهريًا"، مضيفًا: "خلال الحرب بقي أشهرًا من دون تغيير الأنبوب بسبب انعدام المستلزمات، ما أجبر الأطباء على توسيع الحنجرة لاستخدام مقاسات أكبر قد تكون متوفرة، رغم خطورتها وصعوبتها".

يتوقف قليلًا، ثم يضيف بصوتٍ أثقله السهر الطويل: "تراجعت حالته كثيرًا. انقطاع الكهرباء جعلنا نبحث عن أي مصدر طاقة، فقد يختنق في أية لحظة (..) مريض السرطان يحتاج إلى بيئة نظيفة، لكن المجاعة ودخان الحطب زادا معاناته".

صدره (والحديث لابنه) مرهق باستمرار، ويحتاج إلى جلسات تبخير وجهاز لشفط البلغم، وهذه الأجهزة تحتاج إلى كهرباء غير متوفرة. "حالة والدي تتفاقم كل يوم، ونحن ننتظر موعد سفر لا يأتي" يعقب.

غير بعيدٍ عن سرير رائد، يقف إياد العايدي في طابور الانتظار ذاته؛ طابورٌ لا يُقاس بطوله بل بثقل الهم فيه. يقول: "قدّمت نموذج رقم واحد وننتظر الدور. حالتي صعبة وأحتاج إلى علاج إشعاعي عاجل، وحتى الأدوية لم تتوفر لي إلا لمدة ثلاثة أشهر فقط، لا أستطيع تناول المسكنات، فقط أتحمل الألم بصمت".

في زاويةٍ أخرى، لا تملك أم الطفل رياض الهمص سوى الدموع، وهي ترى المرض يسرق طفولته يومًا بعد يوم. تقول: "منذ شهرين اكتشفنا أنه مصاب بسرطان في النخاع الشوكي.. فقد الحركة، وفقد وزنه، وفقد شهيته، يبكي طوال الوقت، وأنا أقف عاجزة عن فعل أي شيء"، مردفةً بحسرة: "كان من المفترض أن نسافر إلى الأردن، لكن السفر أُلغي في اللحظة الأخيرة بسبب عدم جهوزية أوراق عدم الممانعة من الجانب الأردني، وبينما ننتظر اكتمال الأوراق، يزداد المرض شراسة".

تتابع بصوتٍ مختنق: "حذَّر الأطباء من خطورة تأخر العلاج على أعضائه، لا حل أمامنا سوى السفر ليكون هناك أمل في شفائه، لأن غزة لا يتوفر فيها أي علاج فعلي".

في مخيمات النزوح، حيث يمرح الأطفال في الأزقة الضيقة، يقف الطفل محمد اسعيد متكئًا على جسده الواهن، يراقب اللعب من بعيد.

لم تعد حياته تشبه حياة أقرانه، وبدل أن يحمل حقيبته المدرسية، صار يحفظ أسماء التحاليل والأدوية. تقول والدته لـ"نوى": "كان طفلًا نشيطًا يضج بالحياة، لكنه اليوم أسير مرضٍ جعله بالكاد يستطيع الوقوف".

وتستعيد اللحظة الأولى: "حين بدأت أعراض التعب والنزيف بالظهور، لم يكن التشخيص متاحًا بسهولة. بعد فحوصات محدودة جاء الخبر الصادم: محمد مصاب بسرطان الدم (..) هذا المرض يحتاج إلى رعاية دقيقة وسلسلة علاج متواصلة، وهو ما لم يعد ممكنًا داخل القطاع".

تحاول الأم التكيّف مع واقعٍ صعب: لا أدوية ثابتة، ولا جدول علاجي واضح، ولا بيئة آمنة لطفلٍ يعاني من ضعف المناعة. تتابع: "أكثر ما يؤلمني، اللحظة التي أقف فيها عاجزة أمام آلامه، ولا أستطيع التخفيف عنه ولو بالحد الأدنى".

أُدرج اسم محمد ضمن المرضى المحوّلين للعلاج في الخارج، لكن الانتظار طال. وكل يومٍ يمرّ يعني تراجعًا إضافيًا في صحته. لا يسأل محمد عن المعابر، لكنه لا يكف عن سؤال والدته عن موعد عودته إلى المدرسة، وعن سبب تساقط شعره، وعن التعب الذي لا يغادر جسده الصغير.

وفي بيتٍ آخر، يحاول محمد حمو أن يخفف آلام والدته المسنّة المصابة بالسرطان. "هي لم تعد قادرة على الحركة، ولا يتوفر في مستشفيات قطاع غزة علاج حقيقي لحالتها" يقول لـ"نوى".

ويزيد: "نطالب بتحويلها إلى الخارج، أو بتوفير العلاج داخل غزة (..) كل يوم يموت مريض أو أكثر بالسرطان في ظل انعدام العلاج. نحن بحاجة إلى تحرك حقيقي لإنقاذ مرضانا، فكل يوم يمر من دون علاج يكتب سطرًا في شهادة وفاة أمي وغيرها من المرضى".

وتؤكد مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان أن أكثر من 11 ألف مريض سرطان يعيشون حاليًا في غزة، فيما ينتظر أكثر من ثلاثة آلاف مريض تحويلات طبية للعلاج في الخارج منذ أكثر من عامين. وتشير المؤسسة إلى أن نحو 70% من أدوية السرطان نفد رصيدها بالكامل.

وتحذر المؤسسة من غياب أجهزة التشخيص المبكر، مثل أجهزة الرنين المغناطيسي وتصوير الثدي، إضافة إلى تدمير المراكز المتخصصة بعلاج الأورام، وعلى رأسها مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، المرفق الحكومي الوحيد لعلاج أورام البالغين، إلى جانب تضرر أقسام علاج السرطان في مستشفيات أخرى.

وترى أن هذا الواقع لا يمكن فصله عن سياسة ممنهجة أدت إلى إخراج النظام الصحي عن الخدمة وحرمان المرضى من حقهم في العلاج، ما أسهم في ارتفاع معدلات الوفيات بين مرضى السرطان، ليصبح الانتظار نفسه مرضًا إضافيًا، ينهش ما تبقى من أجسادٍ أنهكها الألم، وأرواحٍ تتعلق بخيط أملٍ رفيع.

البوابة 24