بقلم: موسى الصفدي
يأتي انعقاد ما سُمي بـ "مجلس السلام" في واشنطن، بدعوة من الإدارة الأمريكية، ليتجاوز في أبعاده العميقة مجرد كونه منصة تقنية لإغاثة قطاع غزة، أو مؤتمراً تقليدياً للمانحين؛ إذ يضع القضية الفلسطينية برمتها أمام استحقاق سياسي مفصلي يمس جوهر التمثيل والقرار الوطني المستقل. إن التحدي الذي يرتسم فوق طاولة "المليارات العشرة" المعلن عنها، لا يتوقف عند حدود الآليات التقنية لعملية البناء، بل يتمحور حول السؤال السيادي الأهم: من يملك الولاية السياسية والقانونية على هذا الإعمار؟ وما هو الأفق الوطني الذي يتحرك فيه هذا المسار في ظل محاولات تغييب المرجعية الوطنية العليا؟ الموقف العربي: إغاثة محكومة بالثوابت السياسية لقد شاركت القوى العربية المركزية (المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، ودولتا قطر والإمارات العربية المتحدة) في هذا المحفل، حاملةً رؤى تتقاطع في البعد الإنساني، لكنها تتمايز في المقاربات الأمنية والسياسية. إلا أن الموقف العربي بمجمله لم يقدم صكاً على بياض؛ فقد وضعت الرياض، بوزنها الاستراتيجي، محددات حازمة تربط أي انخراط في ترتيبات "اليوم التالي" بوقف شامل للعدوان، وانسحاب إسرائيلي كامل، وضمان مسار سياسي لا رجعة فيه يفضي إلى تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، رافضةً بذلك أي محاولة لاختزال القضية في أبعاد أمنية أو معيشية مجردة. وفي ذات السياق، ركزت القاهرة على محورية الاستقرار الإقليمي ووحدة الجغرافيا الفلسطينية، معتبرةً أن تأمين الحدود وتدفق المساعدات يمثلان ضرورة لتثبيت الشرعية ومنع مخططات التهجير القسري أو الفصل السياسي. وجاء الالتزام القطري والإماراتي ليعزز الجوانب التنموية، مع التأكيد على ربط الإعمار بمسار سياسي عادل يضمن استقرار المرحلة الانتقالية. هذا الحضور العربي، رغم ثقله المالي، ظل متمسكاً بالثوابت القومية التي ترى في الإعمار وسيلة لتعزيز صمود الإنسان الفلسطيني فوق أرضه، لا غاية لشرعنة حلول منقوصة. تغييب "المنظمة": محاولة الالتفاف على وحدة التمثيل إن المفارقة الصارخة التي تعتري "مجلس السلام" تكمن في محاولة تهميش "منظمة التحرير الفلسطينية"، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، عن موقعها الطبيعي في قيادة هذا المسار. إن هذا التغييب ليس مجرد خلل بروتوكولي، بل هو استهداف مباشر للمرجعية السياسية والقانونية التي أقرتها الشرعية الدولية. إن أي سعي لبحث ترتيبات الحكم أو الأمن في غزة بمعزل عن الإطار الوطني الجامع، يحمل في طياته خطراً داهماً يرمي إلى تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي بين جناحي الوطن. فغزة لم تكن يوماً "كياناً معزولاً" ليتم التعاطي معه كملف إنساني تقني، بل هي جزء عضوي وأصيل من وحدة الأرض والمصير، وأي تجاوز للمنظمة هو طعن في شرعية التمثيل واستهداف لمشروع الدولة المستقلة وعاصمتها القدس. المقاربة الاحتلالية: الإعمار كأداة للابتزاز الأمني على الجانب الآخر، تبرز الرؤية الإسرائيلية التي يسوقها اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو، والمستندة إلى معادلة "الإعمار مقابل نزع السلاح"؛ وهي معادلة تهدف بوضوح إلى تحويل قطاع غزة إلى حيز منزوع السيادة والإرادة، يخضع لرقابة أمنية مشددة. إن التحفظات الإسرائيلية على بعض آليات المجلس تعكس رغبة الاحتلال في إبقاء مفاتيح الحياة في غزة تحت سيطرته المباشرة، وضمان عدم تحول أي جهد دولي إلى رافعة سياسية للحقوق الفلسطينية المشروعة. فبالنسبة لتل أبيب، يظل الأمن هو الأولوية المطلقة، بينما تُركن الحقوق السياسية في هوامش التاريخ. الموقف الداخلي: هواجس الشارع وحذر القيادة أما داخلياً، فيبرز حذر القيادة الفلسطينية في رام الله التي ترفض تحويل الدعم الدولي إلى آلية للالتفاف على القرار الوطني المستقل. فالقيادة، برغم حرصها على تخفيف معاناة أهلنا، تصر على أن تمر كافة الجهود عبر القنوات الرسمية والشرعية، وبما يخدم الرؤية السياسية الشاملة لإنهاء الاحتلال. وفي ذات الوقت، ينظر الشارع الفلسطيني، المنهك تحت وطأة الإبادة في غزة والتغول الاستيطاني في الضفة، إلى هذه المحافل بعين التوجس. فما جدوى ترميم الحجر إذا كان الاحتلال يستهدف البشر والشجر في القدس والأغوار؟ إن القلق الشعبي يتركز حول "الثمن السياسي"؛ فشعبنا الذي قدم أعظم التضحيات لن يقبل بمقايضة كرامته الوطنية بوعود معيشية أو "رفاهية" زائفة تحت ظل الاحتلال. التمويل والسيادة: نحو أفق وطني شامل إن المعضلة الحقيقية في "مجلس السلام" لا تكمن في شح الموارد، بل في غياب المظلة السياسية الوطنية التي تحمي هذه الأموال من أن تصبح أداة لـ "إدارة الأزمة" بدلاً من حلها. إن الإعمار بلا سيادة وطنية وبلا أفق سياسي ليس سوى محاولة لترميم "السجن الكبير" لا لكسر قيوده. ولكي يتحول هذا الجهد الدولي إلى فعل إيجابي مستدام، لا بد من الاستناد إلى ثلاث ركائز استراتيجية: التمثيل الشرعي: الاعتراف الميداني والسياسي بمنظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية حصرية وحيدة لكل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني. وحدة الكيان والولاية: رفض أي محاولة لفصل غزة عن الضفة والقدس، والتعامل مع الإعمار كجزء من استراتيجية وطنية لتعزيز الصمود. الأفق السياسي الملزم: ربط كل خطوة اقتصادية بجدول زمني لإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة على حدود الرابع من حزيران 1967.
أخيراً، إن قطاع غزة لم يكن يوماً ملفاً إنسانياً يستجدي الصدقة، بل هو قلب المشروع الوطني النابض. وأي سلام لا يمر عبر بوابة الشرعية الوطنية، ولا يستند إلى الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف، لن يعدو كونه تهدئة مؤقتة تسبق انفجاراً قادماً. إن التحدي الماثل اليوم أمام الحركة الوطنية والكل الفلسطيني هو إعادة تصويب البوصلة نحو القرار الوطني المستقل؛ لضمان أن يكون الإعمار جسراً للحرية، لا قيداً جديداً عليها.
