هل يقف العالم على حافة حرب عالمية ثالثة في ضوء التصعيد المتسلسل بين واشنطن وطهران وموسكو وبكين ؟ وهل يفتح باب السيناريو الأسوأ؟
بقلم د. رياض علي العيلة
22\2\2026
في ظل تصاعد التوترات الدولية وتشابك بؤر الصراع من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية وصولاً إلى شرق آسيا، تبرز تساؤلات جدية حول ما إذا كان العالم يدخل مرحلة "السلسلة التفاعلية المتسلسلة" التي قد تقود إلى مواجهة عالمية واسعة النطاق.
إن السيناريو المتوقع لا يقوم على حدث منفرد، بل على تفاعل متدرج: ضربة أمريكية محتملة لإيران، استغلال روسي للوضع في أوكرانيا، ثم تحرك صيني تجاه تايوان في لحظة انشغال استراتيجي أمريكي. فهل نحن أمام مشهد يعيد إنتاج أجواء ما قبل الحربين العالميتين الكبرى؟
أولاً: تشير التقارير السياسية إلى احتمالية تصعيد أمريكي تجاه إيران في حال فشل المسار الدبلوماسي. بعض التحليلات ترجح أن الإدارة الأمريكية الحالية تميل إلى استخدام الضغط العسكري المكثف كورقة تفاوض قصوى، غير أن أي تحرك عسكري واسع ضد إيران لن يكون عملية محدودة النتائج؛ فإيران دولة مترامية الأطراف ولاعب إقليمي رئيسي يمتلك أدوات رد متعددة وشبكة حلفاء، ما قد يحول أي ضربة إلى صراع طويل الأمد، وربما تؤدي إلى استخدام أسلحة محظورة دولياً، ف التي تمثل خطاً أحمر سياسياً وقانونياً. وإن الإقدام على مثل هذه الخطوة سيقوض شرعية واشنطن الدولية ويفتح الباب أمام اتهامات بازدواجية المعايير، وهو ما يجعل احتمالها ضعيفاً للغاية رغم حدة الخطاب السياسي أحياناً.
ثانياً: في حال انشغال الولايات المتحدة بصراع واسع في إيران، قد ترى موسكو فرصة استراتيجية لتعزيز مكاسبها في الحرب الدائرة في أوكرانيا. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يكرر منذ اندلاع الحرب اتهاماته للغرب بتصعيد النزاع، وإذا فقدت واشنطن جزءاً من قدرتها على التركيز والدعم العسكري لكييف، فقد تعتبر موسكو ذلك "نافذة فرص" لتحقيق تقدم حاسم.
وهنا يتمثل السيناريو الأخطر في فقدان الولايات المتحدة قدرتها الأخلاقية على انتقاد خصومها، في حال تورطت هي نفسها في ممارسات عسكرية مثيرة للجدل، وهو ما قد يغير قواعد الاشتباك السياسي والإعلامي في الصراع الأوكراني بالكامل.
ثالثاً: بكين وتايوان… يظل الملف الأكثر حساسية في شرق آسيا، إذ الصين تراقب بعناية ميزان الانشغال الأمريكي. وأي تورط أمريكي واسع في إيران، مع استمرار الحرب في أوكرانيا، قد يخلق لحظة استراتيجية نادرة لبكين للتحرك نحو تايوان. فقضية تايوان بالنسبة للصين، ليست مجرد ملف جيوسياسي، بل مسألة سيادة ووحدة وطنية. غير أن أي تحرك عسكري صيني سيعني مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل الحسابات معقدة للغاية.
رابعا: المعضلة الأمريكية وسيناريو تعدد الجبهات المفترض يضع إدارة الرئيس ترامب أمام معادلة شبه مستحيلة: تبدأ بمواجهة محتملة مع إيران، واستمرار دعم أوكرانيا، وردع الصين في آسيا، وطمأنة الحلفاء الأوروبيين.
إن سياسة "أمريكا أولاً" التي ارتبطت باسم الرئيس ترامب، أثارت سابقاً قلقاً أوروبياً من احتمال تراجع الالتزامات الأمنية الأمريكية، وهو ما قد يضاعف حالة عدم اليقين في حال اندلاع أزمات متزامنة.
والسؤال المطروح: هل يمكن تجنب السيناريو الأسوأ بنشوب حرب عالمية؟ رغم سوداوية المشهد، يقدم التاريخ دروساً مهمة. فخلال أزمة الصواريخ الكوبية، اقترب العالم فعلياً من مواجهة نووية، لكن قنوات الاتصال الخلفية والحسابات العقلائية حالت دون الكارثة. كثير من المحللين يرون أن الحديث المتكرر عن حرب عالمية قد يتحول إلى "نبوءة محبِطة لذاتها"؛ فشدة الخوف من الانزلاق قد تدفع القادة إلى مزيد من الحذر، لا إلى التهور.
في ضوء التطورات السريعة، نخلص الى القول أن العالم اليوم يعيش بالفعل مرحلة توتر غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة. من هنا، يبرز السيناريو المتشائم الذي يبدأ بضربة إقليمية وينتهي بمواجهة بين قوى نووية، وهو سيناريو ليس مستحيلاً من الناحية النظرية، لكنه يظل رهناً بسلسلة طويلة من القرارات السياسية المعقدة، على اارغم من ان كفة الردع والتوازن الاستراتيجي ما زالت أقوى من منطق الانفجار الشامل. غير أن استمرار غياب الثقة، وسوء التقدير، وانهيار قنوات الاتصال، قد يحول التوتر إلى واقع لا يمكن احتواؤه. والرهان الحقيقي اليوم ليس على القوة العسكرية، بل على قدرة صناع القرار على تجنب الحسابات الخاطئة قبل فوات الأوان.
