بين حافة الانفجار ومناورات التفاوض: واشنطن وطهران في اختبار الإرادة

بقلم: موسى الصفدي

لم يكن تعثر المفاوضات الأمريكية - الإيرانية في "إسلام آباد" مجرد انتكاسة دبلوماسية عابرة في إقليم يعج بالأزمات، بل جاء كصافرة إنذار تعكس عمق التباين البنيوي بين مشروعين يتصارعان على إعادة ترسيم موازين القوى في المنطقة. وإذا كان الفشل المعلن قد تبعه تقاذف للمسؤوليات بين الطرفين، فإن القراءة السياسية الرصينة تفضي إلى أننا أمام "تعثر جولة" لا "نهاية مسار"، لكنها جولة وضعت المنطقة برمتها أمام استحقاقات بالغة التعقيد، تضع لبنان وفلسطين في قلب تداعياتها المباشرة. دخلت الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب هذه المفاوضات متسلحة بمقاربة "الصفقة النهائية"، التي تقوم على شروط قاسية تبدأ بالضبط الصارم للبرنامج النووي، ولا تنتهي بتقليص النفوذ الإقليمي الإيراني وضمان أمن الممرات البحرية. هذه الذهنية القائمة على مبدأ (الكل أو لا شيء) قد تصلح في عالم الصفقات التجارية، لكنها في السياسة الدولية -ومع دولة بتركيبة إيران- تصطدم بحسابات السيادة المعقدة ومعادلات الردع المتبادل. في المقابل، تدير طهران مفاوضاتها كجزء من معركة وجودية مفتوحة، حيث لا ترى في الضغوط الاقتصادية والعسكرية مبرراً لتقديم تنازلات استراتيجية، بل حافزاً لتعزيز أوراق القوة. ومن هنا، تمسكت إيران بربط الملف النووي بملفات أوسع تشمل رفع العقوبات الشامل وترتيبات الأمن الإقليمي، مؤكدة أن طاولة التفاوض ليست مكاناً للإملاءات بل لتبادل المصالح. إن هذا الاستعصاء الدبلوماسي لا يعني بالضرورة الذهاب نحو الانفجار الشامل، فكلفة البدائل لا تزال باهظة على الجميع. واشنطن، رغم تفوقها العسكري وقبضتها الاقتصادية، تدرك أن أي مواجهة مفتوحة في الخليج ستشعل أزمة طاقة عالمية وتزلزل الاقتصاد الدولي. وفي المقابل، تمتلك إيران "هوامش مناورة" حيوية، بدءاً من الموقع الجغرافي المتحكم في شريان النفط العالمي (مضيق هرمز)، وصولاً إلى قدراتها النووية التي تتبع فيها سياسة "الغموض المدروس". **أمام هذا الواقع، تبرز أربعة سيناريوهات تحكم المرحلة المقبلة 1. التصعيد العسكري المنضبط: عمليات محدودة لا تتدحرج إلى حرب شاملة. 2. حرب الاستنزاف: عبر الاغتيالات والعمليات السيبرانية والحروب بالوكالة. 3. الحصار المطبق: تشديد الخناق الاقتصادي الذي قد يدفع طهران لردود فعل جريئة في البحار. 4. الدبلوماسية الخلفية: إبقاء القنوات مفتوحة عبر وسطاء (كباكستان) بانتظار نضوج ظروف التسوية. يظل الخطر الأكبر لتعثر مفاوضات إسلام آباد كامناً في "الساحات الهشة". ففي لبنان، يُخشى أن يتخذ الاحتلال الإسرائيلي من هذا الفشل ذريعة لتوسيع عدوانه، تحت زعم أن الخيار العسكري هو الوحيد المتبقي لتقليص نفوذ طهران. لبنان الذي يرزح تحت أزماته، يجد نفسه مجدداً في عين العاصفة، حيث تتحول ساحته إلى بريد للرسائل الساخنة بين القوى الكبرى. أما فلسطينياً، فإننا ندرك من موقعنا في قلب المعادلة أن استقرار الإقليم هو شرط ضروري لإعادة الزخم للقضية الوطنية. إن انزلاق المنطقة نحو التصعيد يمنح الاحتلال فرصة للاستفراد بالشعب الفلسطيني بعيداً عن الرقابة الدولية، بينما تساهم التهدئة -إن قامت على أسس عادلة- في إعادة ترتيب الأولويات العربية والدولية نحو الحقوق المشروعة لشعبنا. في نهاية الأمر إن تعثر محطة إسلام آباد ليس نهاية الطريق، بل هو فصل جديد من فصول "صراع الإرادات". المنطقة اليوم تقف على خيط رفيع بين انفجار لا يُبقي ولا يذر، وبين تسوية متعثرة تبحث عن ولادة قيصرية. وفي هذه اللحظة الفارقة، يبقى المطلوب هو الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الاعتراف بالحقوق، فالحرائق إذا اندلعت لن توفر أحداً، والعدل وحده هو القادر على إرساء سلام حقيقي في هذه المنطقة المعذبة.

البوابة 24