الدبلوماسية الأمريكية بين منطق "الصفقة" ومقتضيات السيادة

 بقلم: موسى الصفدي

تتحرك الوساطة الأمريكية في المرحلة الراهنة بقيادة "ستيف ويتكوف"، وبتوجيه مباشر من البيت الأبيض، في محاولة لفك العقدة السياسية والأمنية التي تحول دون إطلاق مسار إعادة إعمار قطاع غزة. هذه الوساطة، التي تُصنَّف في الأوساط الدبلوماسية كنموذج لـ "دبلوماسية الصفقات"، لا تنطلق من مقاربة قانونية أو إنسانية شاملة، بقدر ما تتبنى منطق إدارة التناقضات الحادة بين الموقف العربي المتمسك بالثوابت، و"الفيتو" الإسرائيلي المتصلب. إن النهج الأمريكي الراهن، وإن عكس فهماً براغماتياً للأزمة، فإنه يضع السيادة الفلسطينية والعربية أمام اختبار حرج، ويعيد طرح التساؤل الوجودي: هل الإعمار بوابة لاستعادة الاستقرار الوطني، أم أداة دولية لإعادة هندسة التحكم السياسي والأمني بالقطاع؟ إستراتيجية "التجزئة" وتحدي الحسم الأمني تعتمد الوساطة الأمريكية على مقاربة "تجزئة القضايا"، أو ما يمكن تسميته "دبلوماسية المسارات المتدرجة". وفي هذا الإطار، يسعى ويتكوف إلى إقناع حكومة الاحتلال بتجاوز شرط "نزع السلاح الشامل" كمدخل وحيد للإعمار، واستبداله بمعادلة أكثر مرونة تقوم على حصر الإعمار في "مناطق جغرافية محددة" تخضع لرقابة دولية أو أمنية مشددة، وربط وتيرة البناء بمستوى "الهدوء الميداني" لا بالحسم الأمني الكلي. هذه المقاربة، التي تشبه محاولة تشغيل محرك معطل بدفعات وقود مجزأة، تهدف في جوهرها إلى صناعة "نماذج نجاح" إقليمية تُغري الأطراف المانحة بضخ الأموال، دون الاضطرار للاصطدام المباشر بالشروط الإسرائيلية المسبقة، وهو ما قد يؤدي -في حال غياب التنسيق مع الشرعية الفلسطينية- إلى خلق واقع إداري مشوه. المعابر والسيادة: القفل الإلكتروني والمفاتيح الغائبة في واحدة من أعقد نقاط الخلاف، والمتعلقة بمحور "فيلادلفيا" ومعبر رفح، تطرح واشنطن "الحل التكنولوجي" كبديل للانتشار العسكري المباشر. هذا التصور يقوم على منظومة مراقبة ذكية فائقة التطور، مرتبطة بغرفة عمليات مشتركة، في محاولة لتجاوز الحساسية السيادية وتلبية الهواجس الأمنية الإسرائيلية في آن واحد. أما على صعيد الإدارة المدنية للمعابر، فيبرز مقترح الاعتماد على كوادر فلسطينية تخضع لـ "تدقيق أمني" مسبق، وتحت إشراف شركات أمنية دولية. وهنا يبرز الخطر الحقيقي؛ إذ يبدو الحل كمن يضع قفلاً إلكترونياً على باب سياسي مغلق: مظهر سيادي من الخارج، لكن مفاتيحه الفعلية تظل بعيدة عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل. المقايضة الإقليمية والرهانات الأمنية لا تخفي واشنطن استخدامها لملف "التطبيع الإقليمي" كأداة ضغط سياسي على حكومة بنيامين نتنياهو. الرسالة الأمريكية المسربة واضحة: استمرار التعطيل الإسرائيلي لمسار "مجلس السلام" سيعني حتماً تجميد آفاق الاندماج الإقليمي. تسعى الإدارة الأمريكية بذلك إلى تسويق فكرة أن "الأمن المستدام" ينبع من الترتيبات السياسية الجماعية لا من القوة العسكرية المنفردة، وهو طرح يصطدم بعقيدة يمينية راسخة ترى في السيطرة الميدانية المطلقة الضمانة الوحيدة. القوة الدولية: التفاف قانوني أم وصاية جديدة؟ وفي محاولة للتوفيق بين المتناقضات، يعمل ويتكوف على إعادة تعريف تفويض "القوة الدولية" المقترحة، بحيث تُمنح غطاءً "مدنياً" لحماية الإعمار، مع صلاحيات أمنية تنفيذية ضد أي طرف يعرقل المسار. هذا الالتفاف القانوني يهدف إلى تلبية المطلب الإسرائيلي بتفكيك مصادر التهديد دون إحراج الأطراف العربية المشاركة أو دفعها لمواجهة مباشرة مع المكونات الفلسطينية. الإعمار كمدخل للحقوق لا للالتفاف عليها حتى فبراير 2026، تظل هذه الوساطة مسلحة بزخم سياسي أمريكي ورغبة دولية في طي صفحة الحرب، تدعمها تعهدات مالية فلكية. لكن نقاط الضعف تظل بنيوية؛ فالتناقض بين مفهوم "السيطرة" الإسرائيلي ومفهوم "السيادة" الفلسطيني لا يمكن حله عبر حلول تقنية أو صفقات جزئية. كما أن التصريحات المتطرفة التي تصدر عن بعض الدبلوماسيين الأمريكيين، كالسفير مايك هاكابي، تساهم في تقويض الثقة الهشة أصلاً. أخيراً، إن غزة اليوم ليست مجرد جسر للعبور نحو صفقات إقليمية، بل هي جوهر القضية الوطنية. والتحدي الماثل أمام القيادة الفلسطينية والدبلوماسية العربية هو تحويل الإعمار من أداة لـ "إدارة الأزمة" إلى رافعة سياسية تكرس الحقوق الوطنية المشروعة، وتفضي إلى إنهاء الاحتلال، لا شرعنته تحت عناوين "السلام الاقتصادي".

البوابة 24