مع توجيه الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضربات عسكرية لأهداف إيرانية، وبدء طهران ردًا صاروخيًا على مواقع في المنطقة، يتعزز خطر انزلاق المشهد إلى حرب إقليمية مفتوحة، وهي تطورات لا تقف عند حدود الميدان العسكري، بل تمتد سريعًا إلى الاقتصاد، وفقًا لمدة الحرب ومساراتها ونتائجها.
محللون اقتصاديون أكدوا وفقا ل " صدى نيوز " أن أي تصعيد واسع سيترك آثارًا عميقة على الاقتصاد الفلسطيني، المنهك أصلًا بعد أكثر من عامين ونصف على حرب الإبادة في غزة، وما رافقها من عدوان واسع على الضفة الغربية، الأمر الذي أدى إلى انكماش غير مسبوق وتراجع حاد في القدرة الإنتاجية.
ارتباط وثيق بالاقتصاد الإسرائيلي.. قنوات تأثير مباشرة وغير مباشرة
يقول الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس إن الأراضي الفلسطينية تتأثر حتمًا بأي تصعيد عسكري ضد إيران، نظرًا للارتباط العضوي بالاقتصاد الإسرائيلي، سواء عبر التجارة أو سلاسل التوريد أو حركة العمالة.
ويشير إلى أن أي اضطراب اقتصادي في إسرائيل سينعكس مباشرة على السوق الفلسطينية، خاصة في ما يتعلق بسلاسل الإمداد الدولية.
ويتوقع أبو الروس، في حال طال أمد الحرب، تراجعًا في القوة الشرائية وارتفاعًا في الأسعار، إضافة إلى صعود أسعار النفط عالميًا، ما سينعكس مباشرة على أسعار المحروقات والكهرباء في فلسطين.
كما رجّح أن تشهد أسعار صرف الشيقل مقابل الدولار حالة من التذبذب، وهو ما يؤثر بدوره على أسعار السلع المستوردة وقدرة المواطنين الشرائية.
مخاطر على العمالة والسيولة النقدية
يحذر أبو الروس من احتمال لجوء إسرائيل إلى وقف ما تبقى من العمالة الفلسطينية داخل أراضيها والمستعمرات، ما سيؤدي إلى تراجع إضافي في تدفق السيولة إلى السوق المحلي، ويعمّق حالة الركود القائمة.
ويرى أن طول أمد الحرب، وإمكانية إغلاق مضيق هرمز، سيحددان حجم الاضطراب في سلاسل التوريد العالمية، وهو ما سينعكس مباشرة على الأسواق الفلسطينية، سواء من حيث توفر السلع أو أسعارها.
أولوية إسرائيل الداخلية قد تؤخر الإمدادات لفلسطين
من جهته، يقدّر الخبير في الشؤون المالية والاقتصادية مؤيد عفانة أن تطورات الحرب ستفرض نفسها بقوة على الاقتصاد الفلسطيني، خاصة أنه يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، سواء القادمة من إسرائيل أو عبرها من الأسواق العالمية.
ويؤكد أن السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها المحروقات والكهرباء، تأتي عبر إسرائيل، ما يجعل أي تطورات دراماتيكية في الحرب تؤثر مباشرة على واقع الإمدادات. ويرجح أن تمنح إسرائيل الأولوية في التوريد لجيشها وأجهزتها الأمنية وسوقها الداخلي، فيما لن تكون فلسطين أولوية في حال استمرار الحرب لفترة طويلة.
كما أن إغلاق المعابر والبوابات سيؤثر على حركة التجارة البينية والتوريدات. ورغم توفر مخزون سلعي لعدة أشهر، إلا أن انقطاع سلاسل الإمداد قد يهدد استمرارية تدفق السلع، ما يتطلب رقابة حثيثة وإدارة دقيقة للمخزون.
حكومة مطالبة بإدارة أزمة شاملة
على صعيد الدور المطلوب، يشدد عفانة على ضرورة تحرك حكومي استراتيجي عبر تشكيل خلية أزمة وطنية تضم ممثلين عن القطاع الخاص، والقطاع المصرفي، ومؤسسات المجتمع المدني، لإدارة التداعيات المحتملة.
ويؤكد أهمية إنشاء قناة اتصال موحدة وملزمة لوسائل الإعلام، تقدم تحديثات منتظمة حول المستجدات التي تمس المواطنين، مثل دوام المؤسسات الرسمية والجامعات والمدارس.
كما يدعو إلى تشكيل لجان طوارئ فرعية بقيادة المحافظين لضبط الواقع الميداني، لا سيما في ما يتعلق ببيع المحروقات والغاز، وضمان عدالة التوزيع ومنع الاحتكار، إلى جانب متابعة بيع وشراء السلع الأساسية ضمن إطار من الحوكمة الرشيدة، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على وعي المستهلك.
ويشدد كذلك على ضرورة تعزيز دور الهيئات المحلية من خلال لامركزية رشيدة، باعتبارها خط الدفاع الأول في تقديم الخدمات وإدارة الأزمات ميدانيًا.
اقتصاد هش أمام صدمة إقليمية
في المحصلة، يرى الخبراء أن الحرب الجارية لا تمثل أزمة عابرة، بل صدمة إقليمية جديدة تضغط على اقتصاد فلسطيني يعاني أصلًا من ركود عميق، وتراجع في الناتج المحلي، وتآكل في الدخول.
وبين تقلبات أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد، واحتمال تشديد القيود على الحركة والعمالة، تبدو فلسطين أمام اختبار اقتصادي جديد، تدفع فيه كلفة تطورات إقليمية ليست طرفًا مباشرًا فيها، لكنها تتحمل آثارها كاملة.
