في ظل التصعيد غير المسبوق الذي شهدته المنطقة، لم تعد التداعيات محصورة في الميدان العسكري أو في ميزان القوى السياسية، بل امتدت إلى مستوى أكثر تعقيداً وحساسية يتمثل في المسار القانوني الدولي، حيث يطفو ملف المسؤولية والتعويضات على السطح بوصفه أحد أبرز انعكاسات المرحلة الحالية.
وبينما تتزايد النقاشات حول حجم الأضرار التي لحقت بعدد من دول المنطقة نتيجة الهجمات المنسوبة إلى إيران، يبرز تساؤل أساسي حول إمكانية تفعيل أدوات القانون الدولي لمساءلة الدولة المتسببة، وتحويل هذا الملف من إطار سياسي متوتر إلى مسار قانوني قابل للقياس والمطالبة بالتعويض.
وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور عامر فاخوري أن المرحلة الحالية تتجاوز مفهوم التصعيد التقليدي، قائلاً إن ما يجري “لا يمكن اعتباره حدثاً عابراً أو مواجهة عسكرية فقط، بل هو انتقال نحو مرحلة جديدة عنوانها المحاسبة القانونية الدولية”.
ويضيف أن القاعدة المستقرة في القانون الدولي واضحة في هذا الإطار، إذ تتحمل أي دولة ترتكب فعلاً غير مشروع دولياً كامل المسؤولية عن نتائجه، بما في ذلك التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية، مشدداً على أن هذه القاعدة “ليست اجتهاداً سياسياً بل مبدأ قانوني راسخ في منظومة مسؤولية الدول”.
ويرى فاخوري أن وجود إدانة دولية رسمية للهجمات يمنح دول الخليج، وفق تعبيره، أرضية قانونية أقوى لتأسيس مطالبها، لأنه ينقل الملف من دائرة الاتهام السياسي إلى توصيف قانوني يمكن البناء عليه في المحافل الدولية.
ويتابع أن المعادلة القانونية اليوم تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: فعل غير مشروع، وضرر مثبت، وإدانة دولية، وهو ما يشكل – بحسب قوله – أساساً قانونياً متكاملاً لفتح باب المطالبة بالتعويض، مؤكداً أن هذا الحق لا يسقط مع مرور الوقت ولا يتأثر بالتجاذبات السياسية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، وفق فاخوري، لم يعد متعلقاً بأحقية المطالبة، بل بآليات التنفيذ العملي لهذا الحق وتحويله إلى تعويضات ملموسة.
ويقترح في هذا الإطار ثلاثة مسارات يمكن التحرك فيها بشكل متوازٍ:
أولاً، المسار الدولي عبر مجلس الأمن، من خلال الدفع باتجاه قرارات جديدة قد تتضمن تشكيل لجنة دولية لتقييم الأضرار أو إنشاء آلية تعويضات مشابهة لتجارب دولية سابقة، رغم ما قد يواجهه هذا المسار من تعقيدات سياسية مرتبطة بحق النقض.
ثانياً، مسار التحكيم الدولي، الذي يُعد أكثر مرونة، ويمكن أن يقوم على اتفاق بين الأطراف لإنشاء هيئة تحكيم خاصة أو إدراج ملف التعويضات ضمن أي تسوية مستقبلية، ما يمنحه قابلية عملية أكبر في حال توفر الإرادة السياسية.
أما المسار الثالث، فيراه فاخوري الأكثر أهمية كبداية، ويتمثل في تشكيل لجنة إقليمية متخصصة لتقييم الأضرار، تضم خبراء في القانون الدولي والجانب العسكري والاقتصادي، بهدف إعداد ملف مهني دقيق يوثق حجم الخسائر وطبيعتها وتكلفتها، ويحدد بصورة علمية الجهة المسؤولة عنها.
ويشدد على أن أهمية هذا المسار تكمن في تحويل الملف من خطاب سياسي إلى وثيقة موثقة بالأرقام والمعايير، يمكن الاعتماد عليها لاحقاً في أي مسار دولي أو تفاوضي، قائلاً إن “غياب التوثيق الدقيق يضعف أي مطالبة قانونية مهما كانت وجاهتها”.
ويختم فاخوري بالتأكيد على أن امتلاك الحق القانوني لا يكفي وحده، بل يحتاج إلى استراتيجية متكاملة تبدأ بالتوثيق، مروراً بالتدويل، وصولاً إلى التفاوض أو التحكيم، في مسار طويل قد يحدد شكل العدالة الدولية في هذه القضية.
