الحرب الإقليمية المحتملة والانخراط غير المحسوب وتداعياته على الأمن القومي العربي

 بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في ظل التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبرز المنطقة العربية بوصفها المجال الجغرافي الأكثر عرضة للتداعيات المباشرة لأي مواجهة مفتوحة. فالتداخل العسكري، وانتشار القواعد الأجنبية في عدد من الدول العربية، وتعدد مسارح الاشتباك المحتملة، كلها عوامل تجعل الأمن القومي العربي أمام اختبار دقيق ومعقد. المسألة لم تعد تتعلق بمجرد توتر سياسي أو تبادل رسائل ردع، بل بإمكانية انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة قد تُستخدم فيها الأراضي والمياه والأجواء العربية كمنصات انطلاق أو كمسارح عمليات، بما يحمله ذلك من مخاطر مباشرة على استقرار الدول وسلامة شعوبها. تنتشر قواعد عسكرية أمريكية وأجنبية في الخليج العربي وشرق المتوسط وبعض مناطق المشرق العربي، بموجب اتفاقيات ثنائية مع الدول المضيفة. والإشكالية هنا لا تتعلق فقط بشرعية هذه الاتفاقيات من منظور سيادي، بل بطبيعة استخدامها في نزاع إقليمي قد لا تكون الدول المضيفة طرفاً مباشراً فيه. فحين تتحول أراضي دولة عربية إلى منصة عسكرية في صراع إقليمي واسع، فإنها تصبح – بحكم الأمر الواقع – جزءاً من معادلة الاستهداف والرد، بما يعرض بنيتها التحتية وأمنها الداخلي لمخاطر جدية. والاشكالية هنا قد يُطرح استخدام القواعد أو التسهيلات العسكرية تحت عنوان "حماية السيادة الوطنية" أو "الدفاع عن الأمن القومي". غير أن التمييز الدقيق بين الدفاع المشروع والانخراط في صراع بالوكالة يصبح ضرورياً في هذه المرحلة الحساسة.، فالمشاركة غير المباشرة في نزاع واسع قد تجر تداعيات متعددة:_ استهداف منشآت حيوية وموانئ ومطارات.، اضطراب اقتصادي حاد نتيجة تراجع الاستثمارات وارتفاع كلفة التأمين والطاقة. ويخشى من توترات داخلية ناجمة عن الاستقطاب السياسي والمجتمعي. ومن هنا، فإن أي قرار ذي صلة باستخدام الأراضي العربية في مواجهة إقليمية كبرى يجب أن يُقاس بميزان دقيق يراعي المصالح الوطنية بعيدة المدى، لا الضغوط الظرفية أو الحسابات التكتيكية. وفي ظل إعادة ترسيم المنطقة…و المخاوف والقراءات حيث تتزايد في الخطاب السياسي والإعلامي إشارات إلى مشاريع لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، في ظل الحديث المتكرر داخل الأوساط الإسرائيلية عن ترتيبات أمنية وحدود جديدة تضمن تفوقاً استراتيجياً دائماً. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم "إسرائيل الكبرى" في بعض الطروحات الأيديولوجية، باعتباره تصوراً توسعياً يتجاوز حدود عام 1967. ورغم أن هذا الطرح لا يمثل بالضرورة سياسة رسمية معلنة، إلا أن استمرار الاستيطان، وتآكل حل الدولتين، والتصريحات المتشددة لبعض التيارات السياسية في إسرائيل، كلها تغذي المخاوف من أن تؤدي الحروب الإقليمية إلى فرض وقائع جيوسياسية جديدة. إن انخراط أي دولة عربية – بشكل مباشر أو غير مباشر – في صراع واسع قد يوفر بيئة فوضوية تسمح بإعادة رسم خرائط النفوذ، وهو ما يستوجب أعلى درجات الحذر الاستراتيجي. الأمن القومي العربي بين التحديات والبدائل وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحصين الأمن القومي العربي دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة؟ ومن بين المسارات الممكنة:، تعزيز التنسيق العربي المشترك عبر تفعيل آليات التشاور السياسي والعسكري ضمن إطار جامعة الدول العربية، بما يضمن موقفاً موحداً يحد من التباينات. إعادة تقييم الاتفاقيات العسكرية الثنائية لضمان وضوح القيود المتعلقة باستخدام القواعد في نزاعات تمس دولاً عربية أخرى. وأن تبني مقاربة دبلوماسية نشطة تعمل على خفض التصعيد الإقليمي، وتفادي تحويل الأراضي العربية إلى مسرح مواجهة بين قوى غير عربية. والعمل على تحصين الجبهة الداخلية اقتصادياً وأمنياً وإعلامياً، لتقليل قابلية التأثر بالهزات الإقليمية. ختاما ؟؟ إن المنطقة العربية تقف اليوم عند مفترق طرق استراتيجي. فالحرب المحتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا تقتصر تداعياتها على أطرافها المباشرين، بل تمتد إلى عمق الأمن العربي، في ظل انتشار قواعد عسكرية أجنبية قد تجعل بعض الدول في قلب المواجهة دون أن تكون صاحبة قرار فيها. المطلوب في هذه اللحظة التاريخية هو مقاربة عقلانية متوازنة، تضع مصلحة الشعوب العربية واستقرار دولها فوق أي اعتبارات أخرى، وتمنع الانزلاق إلى صراعات تعيد إنتاج الفوضى أو تفتح الباب أمام مشاريع إعادة تشكيل المنطقة تحت أي مسمى. فالأمن القومي العربي لا يتحقق بالشعارات، ولا بالانخراط غير المحسوب في محاور متصارعة، بل بإرادة سياسية مستقلة، ورؤية استراتيجية جماعية، ووعي عميق بحجم المخاطر التي تتهدد الإقليم بأسره.

البوابة 24