اليوم التالي للحرب ": كيف تخطط إسرائيل لعزل القضية الفلسطينية؟

 بقلم: موسى الصفدي

لا تنتهي الحروب الكبرى عند لحظة وقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها المخاضات الأكثر تعقيداً والمتعلقة بإعادة هندسة التوازنات الإقليمية. وفي سياق المواجهة الراهنة بين الاحتلال الإسرائيلي وإيران، يبدو واضحاً أن تل أبيب تسعى لاستثمار نتائج هذه الحرب كـ "لحظة تأسيسية" لنظام إقليمي جديد، غايته الأساسية تثبيت التفوق الإستراتيجي الإسرائيلي وتفكيك أي جبهات تشكل تهديداً وجودياً لمنظومتها الأمنية. مراجعات طهران وفرص الاحتلال تشير القراءة الواقعية لمسار الصراع إلى أن إسرائيل لن تكتفي بمكاسب عسكرية خاطفة، بل تهدف إلى ترجمة القوة إلى معادلات سياسية تبدأ من العمق الإيراني وصولاً إلى تفاصيل المشهد في الضفة الغربية وقطاع غزة. فإذا دفعت الضغوط الدولية طهران نحو تقليص دورها الإقليمي لمصلحة "إعادة بناء الداخل"، فإن ذلك قد يؤدي إلى تراجع "سياسة المحاور" التي حكمت المنطقة لعقود. هذا التحول الإستراتيجي، إن حدث، سيفسره الاحتلال كفرصة ذهبية لعزل الساحة الفلسطينية عن عمقها الإسنادي، مما يسهل عليه الاستفراد بالشعب الفلسطيني ومقدراته بعيداً عن أي تداخلات إقليمية ضاغطة. غزة.. من جبهة صراع إلى ملف "إدارة أمنية" في قطاع غزة، يتبلور المخطط الإسرائيلي حول "نموذج أمني" جديد يرتكز على ثلاث مرتكزا خطيرة: 1. تجريد القطاع من قدراته الدفاعية: لضمان غياب أي تهديد عسكري مستقبلي. 2. الإدارة المدنية البديلة: محاولة خلق بدائل إدارية محلية أو دولية لإدارة الشؤون اليومية، بعيداً عن السيادة الوطنية الفلسطينية. 3. مقايضة الإعمار بالأمن: ربط ملف إعادة الإعمار بترتيبات أمنية طويلة الأمد تمنح الاحتلال سطوة غير مباشرة على بيئة القطاع. بهذا المعنى، تسعى إسرائيل لتحويل غزة من قضية تحرر وطني وجبهة صمود، إلى مجرد "ملف إنساني وأمني" يُدار بالقطعة. الضفة الغربية.. تكريس واقع "الضم الصامت" أما في الضفة الغربية، فإن الاحتلال يرى في انشغال الإقليم فرصة لتثبيت وقائع جغرافية وقانونية غير قابلة للتراجع، وذلك عبر: • حسم الصراع في مناطق (ج): عبر تعزيز السيطرة الأمنية وتكثيف الاستيطان لإعدام أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً. • تحجيم الدور الوطني: محاولة حصر دور المؤسسات الفلسطينية في إطار "الإدارة المدنية المحدودة"، وتحويل القضية من "حق تقرير مصير" إلى "تحسين ظروف معيشية" تحت المظلة الأمنية الإسرائيلية. التحدي الفلسطيني: إعادة بناء المشروع الوطني إن الهدف الإسرائيلي الأسمى في مرحلة ما بعد الحرب هو "تبيئة" القضية الفلسطينية؛ أي تحويلها من قضية مركزية ذات أبعاد دولية وإقليمية إلى "شأن محلي" يمكن احتواؤه أمنياً. أمام هذا المنعطف الخطير، يصبح الرهان الأساسي والوحيد هو البيت الفلسطيني الداخلي. إن تعزيز الوحدة الوطنية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وتطوير أدوات الكفاح السياسي والدبلوماسي، هي الصخرة التي ستتحطم عليها أوهام "الهندسة الإقليمية" الإسرائيلية. قد تنجح إسرائيل في تفكيك شبكات نفوذ خصومها، لكن التاريخ يثبت أن محاولات فرض الاستقرار بقوة الاحتلال وتجاوز حقوق الشعوب لا تنتج إلا دورات جديدة من النضال. سيبقى العامل الفلسطيني هو "الرقم الصعب" والمفتاح الحقيقي لاستقرار المنطقة أو انفجارها، مهما تغيرت خرائط القوى. .

البوابة 24