عن رواية أطياف: "سيرة أمّ تحمل وجع وطن"

صدرت حديثًا عن “دار الرّعاة ومطبعة أبو خليل للطّباعة والنشر” في رام الله، وتقع في 218 صفحة من القطع المتوسّط. رواية أطياف...رواية لإحياء الذّاكرة الفلسطينيّة وحراستها. إذ بدأ مسرح أحداثها من القرى المهّجرة كقرية لفتا وكفر سبت. ودارت الأحداث الرّئيسيّة بين القدس ونابلس ورام الله. تتحدّث الرّواية عن الصّحفيّة المتميّزة أطياف التّي ترمّلت في نهاية عقدها الثّالث، فكرّست حياتها من أجل أبنائها الثّلاثة نجم وزهرة وورد، وتأمين حياة كريمة لهم، فكانت الصّدمة أن آل بها المطاف أن تكون وحيدة الجدران. نجم يكمل دراسته العليا في واشنطن ويتزوّج هناك، وزهرة يختار قلبها فلسطينيًّا يعيش في النّمسا، فلم تعد تحظى منهما إلا باتّصال بارد، أو رسالة عابرة كواجب قوميّ لا أكثر، وورد الذي لا يفصل بينها وبينه إلا جدار بنفس البيت، تقيم الغربة بينهما أعلى الأسوار. حين يقرّر متأخّرًا الزّواج يصرّ على العيش معها في شقّته، رغم أنّها جهّزت له شقّته الخاصة، لكنّه أراد أن يستحوذ على كلّ شيء، يؤجّر شقّته، ويمارس سلطته الذّكوريّة على شقّة أمّه. فحين عارضت رغبته أخذ يشكّ بها، ويراقب بريدها الإلكترونيّ. أحسّت أطياف التي طالما كتبت عن الحقوق، وتمكين المرأة ومساندتها بالخذلان، ووجدت نفسها عارية من كلّ القيم التي نادت بها، فرأت أنّ التّنازل في هذه الحالة ليس فضلا وسخاء بل خيانة لكلّ فكرة دوّنتها بمداد الصّبر، لذلك غادرت بيتها في القدس لتنجو بذاتها ومبادئها، وتوجّهت لزيارة صديقتها المقرّبة أيّام الجامعة في بيتها في نابلس، ففتحت لها ذراعيها كما تفتح الحياة نافذتها بعد عاصفة. وهنا تكمن أهميّة الصّداقة الحقيقيّة التي توصل حالا بعد أيّ نقطة انقطاع. استمدّت منها الأمل والثّبات، ومن ثمّ توجّهت لبيت عمّها الحنون في القدس، الذي كان ما تبقّى من عائلتها، وأقامت معه وزوجته، وخفّفت عنهم وطأة وحدتهم بعد هجران الأبناء. وبعد عقد من الزّمن والكدّ اشترت شقّة في رام الله، وانتقلت للعيش فيها، وقدّمت امتنانها لعمّها الذي أوصى أن يبقى بيته مرتعًا لها حتّى بعد وفاته ووفاة زوجته، فكان مثال العائلة الحقيقيّة بالنّسبة لها. بينما كان ابنها ورد -الأقرب جغرافيًّا- هو الأكثر جحودًا، فلم يكلّف نفسه بالسّؤال عنها أبدًا، وحتّى حين أرسلت له رسالة لم يقرأها إلا بعد وفاتها. وظهر في النّهاية بريق أمل بقدوم حفيدها صافي للعمل في رام الله وإقامته معها وهنا قالت له عبارة لخّصت مشاعرها : "البيوت ترمّم من الدّاخل، وأنت لبنة الرّجاء التي لم تسقط". وكانت محقّة في وصيّتها بمنع ابنها ورد من تكفينها أو وداعها، وتحويل بيتها إلى مكتبة أو أرشيف لحفظ سرديّات النّكبة مكملة بذلك مشوار زوجها وحلمه الذي كان قد بدأ به منذ أيّام الجامعة حتّى استشهاده. إذ قال يومًا: "حين تنسى الحكاية ينتزع الوطن من الذّاكرة قبل أن ينتزع من الأرض" إنّ اختيار اسم أطياف كان متّسقًا مع موضوع الرّواية فالأطياف لغة هي الخيالات، وهذا المعنى ينسجم مع وجود أولاد أطياف في حياتها، إذ لطالما كان حضورهم باهتًا عابرًا، كحلم سريع، أو طيف شمس يظهر سريعًا في السّماء بعد المطر، إلى جانب طيف زوجها الرّاحل، وطيف البلاد المهجّرة. أطياف ليست مجرّد شخصيّة على ورق، إنّما هي صورة حيّة لكثير من النّساء الفلسطينيّات والعربيّات بشكل عام اللّواتي يعانين من مرارة العقوق بعد العطاء المتفاني ممّا يجعلهنّ يتساءلن كأطياف: " هل كان الوفاء جرمي؟ وهل يكون الهجران عقوبة من تخلص أكثر من اللازم؟" ذاك الإخلاص الذي قد ينغرس مقابله عتاب الأبناء كسكّين في القلب كما في قول ابنة أطياف :"ليس علينا نحن الأبناء أن ندفع ثمن وفاء الأهل رغم امتناننا، فالتّضحيات كانت من اختياراتكم لا مطالبنا". وكم من أطياف في مجتمعاتنا لم تكن بحظّ أطياف هذه! لم تكمل تعليمها، وتحصل على أعلى الشّهادات، فالتهمتها الوحدة والأمراض من ندوب الجحود والنّكران، فقد كان مصدر قوّة أطياف، وما ينتشلها من بئر الأوجاع تمسّكها بالقلم، والعمل وترك الأثر في النّاس منفّذة وصيّة أمّها: "يا بنيّتي كلّ شجرة مصيرها الفناء، لكن بعض الأغصان يدوم ظلّها طويلا...كوني من الذين لا تذبل آثارهم حتّى بعد الغياب." وهنا رسالة قويّة للمرأة ألا تنسى نفسها في خضّم الحياة، وتتمسّك بهدف يخصّها، يكون مظلّتها التي تحتمي بها من لهيب الزّمن، أو سيل جور البشر. وحين تكون الرّواية فلسطينيّة لا يمكن أن تقتصر على التّطرق للجانب الاجتماعي بمعزل عن تسليط الضّوء على ما يعانيه الفلسطينيّ جرّاء الاحتلال من مضايقات، وتهجير، واعتقال يكون ضريبة فعل مقاومة أو حتّى كلمة. والقارئ للرّواية سيتنشّق الحنين بين أبجديّاتها، حنين للأماكن كما جاء في :"نحن أبناء الخسارات المتلاحقة، ومع ذلك لم نمت ولن نموت...أصابغي مازالت تشمّ رائحة القمح المحروق في كفّي، "لفتا...لم تكن مجرّد قرية، كانت شكلا من أشكال ذاكرة والديه، حين يتحدّثان عنها لا يصفان مكانًا بل يستعيدان طريقة في النّظر إلى العالم". كما لم تخل من حنين للأصدقاء والزّوج والأبناء. لغة الرّواية انسيابيّة، ولم تخل من رمزية عميقة، وصور جميلة مثل: *لكن ثمّة ارتباك خفيف لم تفهمه مثل رجفة ضوء في عين غيمة. *جاء المساء على أطياف كعاصفة قلعت وردة مروجها من الجذور. *وصل خبر رفض صافي إلى أمّه فاعتصرت حكمتها في قارورة ذكاء التّصرّف. * كأنّ الزّمن قرّر أن يعيد نسج نفسه على نول مملّ. هذه الرّواية تجربة أدبيّة مميّزة نجحت الكاتبة من خلالها رسم عالم إنسانيّ عميق، يجمع بين نبض الوطن وغور النّفس البشريّة للشّخصيّات، ممّا جعلها عملا يستحقّ القراءة.

البوابة 24