في ظل تسريبات إعلامية حول ملامح خطة دولية جديدة لقطاع غزة، أفادت مصادر فلسطينية لصحيفة «الشرق الأوسط» بأن كلاً من مصر وقطر وتركيا لعبت دوراً في إعداد المقترح الذي قدمه ما يُعرف بـ«مجلس السلام»، والمتعلق بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية. وفي المقابل، أقرت مصادر من حركة «حماس» بوجود تباين في وجهات النظر مع الدول الوسيطة إزاء هذه الخطة، لكنها اعتبرت ذلك أمراً طبيعياً في سياق التفاوض.
وبحسب مصادر مطلعة على عمل «لجنة إدارة غزة»، فإن الدول الوسيطة المعنية بملف وقف إطلاق النار كانت على دراية كاملة بتفاصيل الخطة قبل عرضها رسمياً على «حماس» وبقية الفصائل، ما يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق المسبق.
تفاصيل الخطة ومواقف الوسطاء
وكانت وكالة «رويترز» إلى جانب وسائل إعلام أخرى قد نشرت، الأسبوع الماضي، وثيقة تفيد بأن «مجلس السلام»، الذي شُكّل بمبادرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، طرح مقترحاً يلزم «حماس» بالموافقة على تفكيك شبكة الأنفاق في قطاع غزة، والتخلي التدريجي عن السلاح خلال فترة تمتد لثمانية أشهر.
وتنص الخطة على مسار زمني يبدأ بتسلم لجنة وطنية فلسطينية مهام الأمن في القطاع، وينتهي بانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية، وذلك بعد التحقق النهائي من خلو غزة من أي مظاهر للتسلح.
ووفقاً لمصادر قريبة من «لجنة غزة»، فإن الدول الثلاث، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، شاركت في بلورة المقترح، حيث أدخلت عليه تعديلات وقدمت ملاحظات خلال مراحل إعداده، بهدف تطويره وتعزيز فرص قبوله.
في المقابل، أثار عرض الخطة ردود فعل غاضبة داخل «حماس»، خاصة بعد الإحاطة التي قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، أمام مجلس الأمن، والتي شدد فيها على أن إطلاق عملية إعادة الإعمار مرهون بتوثيق مراحل نزع السلاح.
وفيما يتعلق بموقف الوسطاء، قال مصدران من «حماس» داخل غزة إنهما لا يملكان معلومات مؤكدة حول مشاركتهم المباشرة في صياغة المقترح، إلا أنهما رجحا اطلاعهم على مضمونه قبل طرحه رسمياً. من جهته، أشار قيادي في الحركة خارج القطاع إلى أن بعض الصياغات، إلى جانب دعم الوسطاء للمقترح، تعكس معرفتهم المسبقة به.
تباين داخل «حماس» ومساعٍ للتعديل
وكشف المصدر القيادي أن الخطة خضعت لنقاشات داخلية موسعة، كما جرى التطرق إلى بعض بنودها خلال لقاءات عُقدت في كل من مصر وتركيا خلال الأيام الماضية، لافتاً إلى أن الموقف الفلسطيني النهائي سيُصاغ ضمن رؤية تهدف إلى تعديل بنود رئيسية، وعلى رأسها رفض ربط تسليم السلاح بالتقدم في باقي الملفات.
وشدد المصدر ذاته على ضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، محذراً من أن الصيغة الحالية تمنحها هامشاً واسعاً للمماطلة وممارسة الضغوط على الفصائل، بهدف تكريس واقع أمني يُبقي غزة منطقة منزوعة السلاح وتحت السيطرة الإسرائيلية.
وفيما يخص طبيعة العلاقة مع الوسطاء، أجمعت مصادر «حماس» الثلاثة على وجود تباين في المواقف، وُصف بأنه طبيعي في ظل اختلاف الرؤى. وأوضح أحدهم أن المقترح المطروح لا يلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، إذ يفرض نزع السلاح دون مقابل حقيقي من الجانب الإسرائيلي.
واستحضر المصدر القيادي تجربة مفاوضات وقف إطلاق النار السابقة، مشيراً إلى أن الوسطاء أبدوا حينها تفهماً أكبر لمطالب الفصائل، ما ساهم في تحقيق تقدم نسبي، وهو ما تأمل الحركة تكراره في المرحلة الحالية.
وتشير المعطيات إلى أن «حماس» قد لا تتجه نحو رفض الخطة بشكل كامل، بل ستسعى إلى تقديم تعديلات عليها بما يحقق ما تعتبره مكاسب وطنية، في وقت ترفض فيه إسرائيل هذا التوجه، وتلوّح بإمكانية استئناف العمليات العسكرية.
وتتضمن الخطة بنداً واضحاً يقضي بنزع شامل لكافة أنواع السلاح، سواء الخفيف أو الثقيل، بما يشمل الأسلحة الفصائلية والعشائرية وحتى الفردية، ضمن إطار يهدف إلى فرض مبدأ «سلاح واحد وقانون واحد»، مع استبعاد «حماس» من أي دور في إدارة القطاع، سواء على المستوى المدني أو الأمني.
وفي سياق متصل، كشف مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»، قبل نحو أسبوع، أن وزارة الداخلية المصرية تستعد لاستقبال آلاف المرشحين للعمل ضمن جهاز الشرطة الفلسطينية في غزة، حيث سيخضعون لدورات تدريبية تمتد لستة أسابيع، تشمل مختلف المهام الشرطية، فيما سيتلقى عدد آخر تدريبات مماثلة في الأردن.
وكانت اللجنة الوطنية لإدارة غزة قد أطلقت مؤخراً رابطاً إلكترونياً للتسجيل في القوة الأمنية الجديدة، ما أدى إلى إقبال واسع، حيث سجّل عشرات الآلاف رغم أن الحاجة الفعلية في المرحلة الحالية تقتصر على نحو 5 آلاف عنصر فقط.
على صعيد آخر، تسعى الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، إلى إطلاق عملية إعادة الإعمار بدءاً من مدينة رفح جنوب القطاع، وهي المناطق الخاضعة حالياً للسيطرة الإسرائيلية، على أن يتم لاحقاً الانتقال إلى مناطق نفوذ «حماس». وترتبط هذه الخطوة، وفق الخطة، بمدى التقدم في ملف نزع السلاح، وهو ما ترفضه «حماس» بشكل متكرر، مؤكدة رفضها ربط إعادة الإعمار بأي شروط سياسية أو أمنية أخرى.
