الاعتماد على البنوك لتمويل العجز يثير القلق
تتزايد التحذيرات الاقتصادية من استمرار اعتماد الحكومة على الاقتراض من القطاع المصرفي لتمويل العجز المالي، في وقت يمر فيه الاقتصاد الفلسطيني بمرحلة شديدة الهشاشة نتيجة التراجع في الإيرادات وتداعيات الأوضاع السياسية والاقتصادية.
وطالب خبراء اقتصاديون بضرورة البحث عن بدائل تمويل خارج القطاع المصرفي، مؤكدين أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مخاطر هيكلية تهدد الاستقرار المالي والاقتصادي على حد سواء.
دعوات لإجراءات تقشفية وإصلاح إداري
دعا مختصون وفقا ل حديثهم مع "صدى نيوز" اتخاذ خطوات جادة لتقليص النفقات الحكومية، من بينها إعادة هيكلة الجهاز الإداري، ووضع سقف أعلى للرواتب في القطاع العام، إضافة إلى دراسة منح إجازات بلا راتب لبعض الفئات الوظيفية مؤقتاً حتى انتهاء الأزمة المالية.
وأشاروا إلى أن عدداً من الدول لجأ إلى إجراءات مشابهة خلال الأزمات الاقتصادية، بما في ذلك دول كبرى مثل الولايات المتحدة، بهدف تقليل الضغط على الموازنة العامة والحفاظ على الاستقرار المالي.
كما طُرحت مقترحات تتعلق بتخصيص بعض القطاعات الحكومية أو بيع أصول مملوكة للدولة كأحد الخيارات الممكنة لتوفير سيولة دون زيادة الدين الداخلي.
المقاصة تشكل مفتاح الاستقرار المالي
أكد خبراء أن حل أزمة أموال المقاصة يمثل عاملاً حاسماً في استقرار المالية العامة، باعتبارها تشكل ما يقارب ثلثي إيرادات الخزينة.
وشددوا على ضرورة خوض معركة سياسية وقانونية لتحصيل هذه الأموال، محذرين من أن استمرار حجزها سيجعل من الصعب على الحكومة الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
مخاطر انكشاف البنوك على الدين الحكومي
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري إن الاعتماد المتزايد على القطاع المصرفي لتمويل العجز المالي يرفع مستوى المخاطر على البنوك والاقتصاد معاً.
وأوضح أن ارتفاع نسبة القروض الحكومية ضمن محافظ الإقراض يزيد من حساسية الجهاز المصرفي لأي تعثر في السداد أو تأخير في التزامات الحكومة، ما قد يؤثر على ثقة المودعين واستقرار القطاع المالي.
وأضاف أن البنوك الفلسطينية تعتمد في عملها على إدارة دقيقة لمستويات السيولة للحفاظ على التوازن بين حقوق المودعين واحتياجات المقترضين، وهو ما قد يتعرض لضغوط متزايدة في حال استمرار توسع الاقتراض الحكومي.
مزاحمة القطاع الخاص وتراجع فرص الاستثمار
وحذر صبري من أن توجيه السيولة المصرفية نحو تمويل الحكومة يؤدي إلى تراجع قدرة البنوك على تمويل القطاع الخاص، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد.
وأوضح أن هذه الحالة تُعرف اقتصادياً بـ"مزاحمة القطاع العام للقطاع الخاص"، حيث يؤدي ارتفاع الاقتراض الحكومي إلى تقليص التمويل المتاح للاستثمار والإنتاج، ما ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي وفرص العمل.
الحاجة إلى إصلاحات مالية وتنويع مصادر التمويل
ويرى خبراء أن الخروج من الأزمة يتطلب تنفيذ إصلاحات في المالية العامة، تشمل تحسين كفاءة التحصيل الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وضبط النفقات، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات الإنتاجية.
كما يمكن للحكومة تنويع مصادر التمويل من خلال إصدار سندات تنموية، أو إطلاق أدوات تمويل موجهة للمغتربين الفلسطينيين، إضافة إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية للحصول على تمويل ميسر مرتبط ببرامج إصلاح اقتصادي.
النمو الاقتصادي هو الحل الأكثر استدامة
يؤكد مختصون أن الحل الحقيقي على المدى المتوسط يتمثل في تحفيز النمو الاقتصادي وتوسيع القاعدة الإنتاجية، ما يؤدي إلى زيادة الإيرادات المحلية وتقليل الحاجة إلى الاقتراض الداخلي.
وبحسب الخبراء، فإن إعادة توجيه السيولة المصرفية نحو دعم الاستثمار والقطاع الخاص يمثل الأساس لتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي، وتجنب مخاطر قد تهدد الجهاز المصرفي والاقتصاد الفلسطيني في حال استمرار الاعتماد المفرط على الاقتراض الحكومي.
