بين تجميد اتفاق وقف النار واتساع الحرب الإقليمية: الحاجة إلى مبادرة فلسطينية عاجلة

بقلم: وليد العوض

بين تجميد اتفاق وقف النار واتساع الحرب الإقليمية: الحاجة إلى مبادرة فلسطينية عاجلة
بين هدنة معلّقة لم تكتمل مراحلها، وحرب إقليمية آخذة في الاتساع، يتراجع ملف غزة في سلّم الأولويات الدولية، بينما يبقى أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع أسرى حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز حدودهم. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الحاجة ملحّة لمبادرة فلسطينية تعيد كسر حالة الجمود وتعيد القضية إلى مركز الاهتمام.

لم يعد خافياً أن تطورات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من اتساع في دائرة التوتر الإقليمي، تركت آثاراً مباشرة وعميقة على مسار الأوضاع في قطاع غزة، وعلى الجهود السياسية التي كانت قد أفضت في وقت سابق إلى اتفاق لوقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر من العام الماضي. فقد جاء ذلك الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه بعد ضغوط دولية ومساعٍ إقليمية مكثفة، باعتباره خطوة أولى لوقف الحرب المدمرة على القطاع وفتح الباب أمام مسار سياسي وإنساني أوسع. غير أن انتقال مركز الاهتمام الدولي والعسكري نحو ساحات إقليمية أخرى، في ظل الحرب الدائرة ضد إيران وما تثيره من احتمالات اتساع الصراع، أدى عملياً إلى تراجع فرص استكمال بنود الاتفاق، ودفع به إلى حالة من الجمود والتعطيل المتبادل.

فمنذ الأيام الأولى لتطبيق الاتفاق، كانت المؤشرات تدل على أن الطريق نحو استكمال مراحله الثلاث لن يكون سهلاً. فقد نص الاتفاق على مراحل متتابعة تبدأ بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية، على أن تتبعها مرحلة ثانية تتعلق بترتيبات أكثر عمقاً تشمل تثبيت التهدئة، وتوسيع عمليات الإغاثة، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة، وفتح المعابر، والبدء بعملية إعادة الإعمار، وصولاً إلى نقاش سياسي أوسع حول مستقبل إدارة القطاع ومكانته في إطار النظام السياسي الفلسطيني. غير أن المماطلة ومحاولات التهرب من استحقاقات المرحلة الثانية بدت واضحة منذ وقت مبكر لدى طرفي الاتفاق، كلٌّ وفق حساباته الخاصة ومصالحه السياسية.

بالنسبة لدولة الاحتلال، لم يكن الانتقال إلى استحقاقات المرحلة الثانية مجرد مسألة تقنية، بل كان يعني عملياً الدخول في التزامات سياسية وأمنية لا ترغب الحكومة الإسرائيلية في تحملها. فتنفيذ هذه المرحلة يتطلب توسيع نطاق الانسحاب العسكري من مناطق واسعة في قطاع غزة، وتسهيل إدخال المساعدات الإنسانية دون قيود، ورفع القيود المفروضة على حركة السكان والبضائع، إضافة إلى إطلاق دفعات جديدة من الأسرى الفلسطينيين وفق ما نصت عليه التفاهمات. إلا أن الحكومة الإسرائيلية اختارت منذ البداية سياسة التسويف والمماطلة، مستندة إلى اعتبارات داخلية تتعلق بأزمة الائتلاف الحاكم وضغوط التيار اليميني المتطرف، فضلاً عن رغبتها في إبقاء الورقة العسكرية مفتوحة واستخدامها كورقة ضغط في أي ترتيبات سياسية لاحقة.

وفي المقابل، لم تكن حركة حماس بمنأى عن التعقيدات التي أحاطت بالاتفاق. فقد كان من بين استحقاقات المرحلة الثانية نقل إدارة الحكم في قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط تتولى إدارة الشؤون المدنية والخدماتية، إلى جانب معالجة موضوع السلاح، بما ينزع الذرائع التي قد يستخدمها الاحتلال للعودة إلى التصعيد. غير أن الحركة بدت هي الأخرى متحفظة في المضي بعيداً في هذه الالتزامات، في ظل غياب ضمانات دولية واضحة بإنهاء الحرب بشكل كامل، واستمرار المخاوف من أن تستغل إسرائيل أي ترتيبات انتقالية لإعادة فرض واقع أمني وسياسي جديد في القطاع.

وهكذا وجد الاتفاق نفسه عالقاً بين حسابات متعارضة؛ فالاحتلال يسعى إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب أولوياته الإقليمية في ظل التصعيد المتسارع في المنطقة، بينما تحاول حركة حماس الحفاظ على موقعها ومكانتها والاحتفاظ بأوراق القوة التي تمتلكها وعدم التفريط بها في ظل غموض المشهدين السياسي والعسكري. ومع اتساع دائرة المواجهة في الإقليم، وخصوصاً مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدا واضحاً أن ملف غزة لم يعد يحتل الموقع ذاته في سلّم الأولويات الدولية، وأصبح في كثير من الأحيان رهينة لتطورات الصراع الإقليمي الأوسع.

في خضم هذه التطورات، دخلت فكرة تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة شؤون قطاع غزة مرحلة من الجمود والانتظار. فقد طُرحت هذه اللجنة باعتبارها صيغة انتقالية يمكن أن تتولى إدارة الخدمات المدنية والإغاثية بعيداً عن الاستقطابات السياسية، وبما يمهد الطريق لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وإعادة توحيد المؤسسات. غير أن هذه الفكرة سرعان ما اصطدمت بجملة من التعقيدات، سواء تلك المرتبطة بالتباينات الفلسطينية الداخلية حول طبيعة هذه اللجنة وصلاحياتها، وخاصة أن مرجعيتها ارتبطت بـ”مجلس السلام” الذي يرأسه الرئيس الأمريكي ترامب، أو تلك المتعلقة بتردد الأطراف الإقليمية والدولية في دعمها قبل اتضاح مآلات الصراع الدائر في المنطقة.

غير أن حالة الجمود السياسي هذه لا تبقى مجرد مسألة تفاوضية أو إجرائية، بل تنعكس بشكل مباشر وقاسٍ على حياة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في قطاع غزة، بينهم ما يقارب مليوناً ونصف المليون يقيمون في الخيام ومراكز الإيواء. فالقطاع ما زال يرزح تحت أوضاع إنسانية هي من بين الأسوأ في تاريخه الحديث نتيجة الدمار الهائل الذي خلفته حرب الإبادة، والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية، وتفاقم أزمات الغذاء والمياه والكهرباء والخدمات الصحية، في وقت تسير فيه عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار بوتيرة بطيئة لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الكارثة.

ولعل أخطر ما في المشهد الراهن أن استمرار تجميد استكمال اتفاق وقف إطلاق النار يفتح الباب أمام احتمالات خطيرة، إذ إن غياب أفق سياسي واضح قد يدفع الأطراف المختلفة إلى الانزلاق مجدداً نحو جولات جديدة من المواجهة. فإسرائيل قد ترى في التصعيد الإقليمي فرصة لإعادة خلط الأوراق في غزة وفرض وقائع جديدة بالقوة، بينما قد تجد الفصائل الفلسطينية نفسها أمام واقع يكرّس الحصار والدمار دون أي أفق حقيقي للتغيير.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مبادرة سياسية وطنية جادة تطلقها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتتفاعل معها جميع الفصائل والقوى الفلسطينية بروح المسؤولية الوطنية، بما يفضي إلى بلورة موقف فلسطيني موحد قادر على كسر حالة الجمود الراهنة، وإعادة وضع ملف غزة في صدارة الاهتمام الدولي والإقليمي، والعمل من أجل استكمال مراحل اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ استحقاقاته كاملة.

إن ما يحتاجه قطاع غزة اليوم ليس مجرد تهدئة مؤقتة سرعان ما يتم خرقها، بل مسار سياسي واضح يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل كامل، ورفع الحصار، وبدء عملية إعادة إعمار حقيقية، وتمكين الشعب الفلسطيني من إدارة شؤونه الوطنية ضمن إطار سياسي موحد، بما يفتح الطريق أيضاً أمام تسوية سياسية عادلة تضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. أما إبقاء الأمور معلّقة بين هدنة هشة وحرب مؤجلة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق المأساة الإنسانية وإبقاء المنطقة بأسرها على حافة انفجار دائم.
14-3-206

البوابة 24